مهيوب خضر- إسلام آباد

الإقبال على القرآن ساهم في نشر العربية بباكستان (رويترز-أرشيف)
تحظى اللغة العربية بمكانة خاصة لدى الشعب الباكستاني بسبب ارتباطها الوثيق بالثقافة الإسلامية من جهة, و احتواء اللغات المحلية المختلفة في البلاد مثل الأوردية والسندية والبنجابية على الكثير من المفرادت العربية من جهة أخرى.

ويعزو باحثون قوة اندفاع الباكستانيين لتعلم العربية إلى عمق العاطفة الإسلامية التي كانت وراء قيام دولة باكستان على أساس ديني، الأمر الذي انعكس على توجه عامة الناس نحو تعلم القرآن الكريم والحديث الشريف, علاوة على اعتقاد شائع بأن اللغة العربية هي لغة أهل الجنة.

على أن انتشار اللغة العربية الواسع في جمهورية باكستان الإسلامية من أدناها إلى أقصاها, لم يتوقف على الرغبة الذاتية والعاطفة الدينية لدى المواطن الباكستاني العادي، بل تعدى الأمر ليشمل التوجه الحكومي الرسمي خصوصا في عهد الرئيس الباكستاني الراحل الجنرال ضياء الحق الذي كان له تأثير كبير في هذا المجال.

ضياء الحق
إذ أمر ضياء الحق عام 1978 بتدريس اللغة العربية كمادة أساسية في المدارس الحكومية في ثلاث مراحل تبدأ من الصف السادس وحتى الثامن, إضافة إلى تأسيس أقسام خاصة تعنى بتدريس العربية في معظم الجامعات الحكومية.

كما كان لإنشاء الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد مطلع الثمانينيات بتمويل عربي, الأثر الأكبر في نشر اللغة العربية في صفوف محبيها, لاسيما أن هذه الجامعة تعتمد اللغة العربية كلغة منهج في عدد من التخصصات.

أما على الصعيد الشعبي فقد لعبت المدارس الدينية المنتشرة في جميع أنحاء باكستان والتي يزيد عددها على 20 ألف مدرسة, دورا بارزا في نشر اللغة العربية وتسليط الأضواء على الأدب العربي وعلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، فضلا عن ظهور معاهد اللغة العربية التي تمنح شهادة الدبلوم وتخرج طلابا قادرين على الإمساك بزمام ثقافة أجدادهم المسلمين.

وزاد في هذا التوجه اندفاع الباكستانيين نحو حفظ القرآن الكريم وكثرة الحفاظ التي أصبحت مثلا شائعا يقول "أينما رفعت حجرا وجدت تحته حافظا للقرآن"، الأمر الذي يفسره مراقبون بأنه هبة ربانية جعلت العربية تدخل كل بيت في بلد يزيد تعداده السكاني على 150 مليون نسمة.

وبسبب هذا التوجه أصبح العرب, الذين يقيمون في باكستان لسبب أو لآخر, معلمين للغتهم نتيجة مطالبة محبيها من الباكستانيين بتدريسهم إياها ولو على مستوى كلمة واحدة في اليوم. وساعد في هذا الأمر أن 40% على الأقل من مفردات اللغات الباكستانية المحلية -كالأوردية والبنجابية والسندية- عربية.

طلاب مدرسة دينية في باكستان (الفرنسية-أرشيف)
ويرى متخصصون في باكستان أن المحتلين البريطانيين لشبه القارة الهندية حاربوا اللغة العربية إبان فترة الاحتلال. وقال مدير معهد اللغة العربية في إسلام آباد محمد بشير في حوار مع الجزيرة نت إن سلطات الاحتلال البريطاني "أبعدت دارسي الثقافة الإسلامية عامة واللغة العربية خاصة عن كثير من مجالات العمل مثل التعليم والقضاء وغيرهما, وقدمت في المقابل متقني اللغة الإنجليزية حتى درج مثل على ألسنة الباكستانيين إلى يومنا هذا يقول: تعلموا العربية وصبوا الزيوت, أي من يتعلم العربية فلا عمل له إلا بيع الزيت في الدكاكين".

غير أن بشير اعتبر أن هناك تراجعا في إقدام البعض على تعلم العربية بسبب تقادم العهد على المناهج المعتمدة في تدريسها وما أشيع لاحقا عن صعوبة تلك اللغة. وطالب بشير التجار العرب باستثمار أموالهم في مجال نشر اللغة العربية في باكستان عبر طباعة الكتب الحديثة وتحديث وسائل التدريس باستخدام الأقراص الإلكترونية وبرامج الحاسوب المتنوعة.

وبدوره شدد مدير مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي إبراهيم العبيدي في حوار مع الجزيرة نت, على دور المؤسسات العربية في نشر اللغة العربية على مدار السنوات العشرين الماضية في باكستان عبر فتح معاهد تدريس العربية وتوفير المدرسين العرب وإقامة دورات اللغة العربية في مختلف أرجاء البلاد، إضافة إلى ابتعاث مئات الطلبة إلى الدول العربية لإكمال دراستهم فيها, فضلا عن دور مدارس الأيتام التي اعتمدت فيها مناهج عربية وزاد عدد طلابها على 30 ألف طالب.

وساهم استمرار تدفق العمالة الباكستانية إلى أسواق العمل العربية -لاسيما الخليجية منها- في توثيق علاقة الشعوب الإسلامية بعضها ببعض عبر اللغة العربية التي تعد أهم المكتسبات من هذا التواصل.
_____________________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة