فعنونو يشير بعلامة النصر عقب إطلاق سراحه (رويترز)

محمد السيد غنايم

السجين البطل، مرشح جائزة نوبل للسلام، أو الخائن والعميل، صفات أطلقها عدد من مؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان وبعض المسؤولين الإسرائيليين على الخبير النووي الإسرائيلي موردخاي فعنونو الذي أطلق سراحه اليوم بعد 18 عاما قضاها في سجن شكيما بعسقلان بتهمة الخيانة وإفشاء أسرار إسرائيل النووية، أمضى معظمها في زنزانة انفرادية.

لمحات من حياته
ولد فعنونو عام 1954 في مراكش بالمغرب لعائلة يهودية كبيرة ومتدينة، وهاجر مع عائلته إلى إسرائيل عام 1963.

أنهى تعليمه الثانوي ثم خدم في وزارة الدفاع الإسرائيلية لمدة ثلاث سنوات، وكان وقتها بدرجة رقيب، لكنه أعفي من الخدمة العسكرية وتوجه للعمل كفني في المفاعل النووي بديمونة في صحراء النقب. واستمر في العمل به منذ عام 1976 وحتى 1985.

بجانب عمله في المفاعل درس فعنونو مادة الفلسفة في جامعة بن غوريون، وبدأ في إظهار استيائه من بعض السياسات التي تنتهجها حكومة إسرائيل.

حركة كامبوس
أنشأ فعنونو أثناء دراسته حركة راديكالية من عشرة من زملائه في الجامعة منهم خمسة عرب، وأطلقوا على أنفسهم اسم (كامبوس). وكان فعنونو شديد الإعجاب بأستاذه إيفرون بولاكوف ذو الاتجاه الراديكالي والذي رفض الخدمة مع الجيش الإسرائيلي في لبنان إلى أن سجن نتيجة لهذا الأمر.

بدأ نشاط فعنونو الراديكالي يلفت انتباه قوات الأمن الإسرائيلية، فقد كان يظهر التعاطف مع الفلسطينيين كما كان على علاقة وثيقة بمنظمة تدعى حركة تعزيز السلام.

كل هذا أدى إلى بداية معاناته من "تأنيب الضمير" على حد وصفه، بسبب عمله بمفاعل ديمونة النووي الذي كان يعلم بأنه ينتج السلاح النووي في الخفاء.

القصة الكاملة
منذ ذلك الوقت بدأ فعنونو في التقاط صور فوتوغرافية لأماكن وأجزاء مهمة داخل المفاعل النووي، واحتفظ بها، وفي عام 1985 اعتبرته إدارة المفاعل زائدا عن حاجتها فقررت تسريحه.

واستخدم فعنونو مبلغ مكافأة نهاية خدمته (7500 دولار) في السفر إلى الخارج، فزار نيبال وبورما وتايلاند قبل أن يحط في أستراليا، وهناك أقام في نزل مخصص للشباب بمقاطعة كينغز كروس ومارس بعض المهن الدنيا مثل غسيل الأطباق وعمل كذلك سائق تاكسي.

تحوله إلى المسيحية
بعد ذلك ذهب فعنونو إلى إحدى الكنائس المحلية في المقاطعة، تدعى كنيسة سانت جونز، وهناك تعرف على ريف جون ماكنايت، وهو رجل مشهور بالعمل الخيري في مجال الاهتمام بالمشردين ومدمني المخدرات. ومنذ ذلك الوقت قرر فعنونو التحول إلى الديانة المسيحية فتم تعميده وتحول إلى المسيحية الأنجليكانية عام 1986، وهذا الأمر أدى به إلى أن يهجره أبواه وإخوانه الأحد عشرا.

صورة أرشيفية لمفاعل ديمونة (رويترز)
بداية النهاية
داخل الكنيسة، وبينما كان فعنونو يناقش موضوعا متعلقا بالسلام وانتشار الأسلحة النووية، أفشى بعض الأسرار التي حصل عليها أثناء عمله بمفاعل ديمونة. هذه المعلومات تلقاها صحفي كولومبي مستقل كان موجودا بالكنيسة وقتها يدعى أوسكار غيريرو، فتوجه إلى فعنونو وشجعه على تزويده بكل المعلومات التي يعرفها عن هذا الأمر.

حاول هذا الصحفي الاتصال بالجرائد المحلية في أستراليا، لكنه لم يفلح، فقصد الصحافة الأوروبية واتصل بصحيفة الصنداي تايمز وأخبرها بما في جعبته من معلومات ومصدرها، فقامت الصحيفة بتعيين الصحفي بيتر هونام للتحقق من القصة.

سافر هونام إلى سيدني في صيف عام 1986 للتأكد من صدق ادعاءات فعنونو بشأن قيام إسرائيل بإنتاج وتطوير ترسانة نووية سرا.

وأورد الصحفي التابع لصحيفة غارديان البريطانية دونكان كامبيل في مقال له نشره بتاريخ 16 أبريل/ نيسان 2004، جزءا من حديثه مع هونام الذي كان يستعد للتوجه إلى إسرائيل لحضور الإفراج عن فعنونو، جاء فيه على لسان الأخير "أعجبت حقا بفعنونو فور الحديث معه، لقد أمضيت معه 12 يوما أجاب خلالها على كل أسئلتي بصورة مباشرة وتحدث كذلك عن مدى ثقته الشديدة بما يجري في إسرائيل بهذا الخصوص".

وفي الخامس من أكتوبر /تشرين الأول 1986 نشرت صحيفة الصنداي تايمز قصة فعنونو كاملة مع صورة لمفاعل ديمونة تحت عنوان " كشف أسرار ترسانة إسرائيل النووية".

في ذلك الوقت التقى فعنونو بشابة اعتقد أنها سائحة أميركية تدعى سيندي، وقد أظهرت له إعجابها الشديد به، وانتقادها الدائم لحكومة إسرائيل، وهنا يذكر هونام "لقد حذرته منها وقلت إنها قد تكون عميلة للموساد، لكنه لم يشك فيها".

طلبت سيندي من فعنونو التوجه معها إلى روما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع حيث تقيم أختها بإحدى المناطق هناك، وقامت بدفع ثمن التذكرتين.

سافرا معا وقصدا الشقة المزعومة، وبمجرد دخوله إليها وجد شخصين قاما بتقييده وحقنه بمخدر، و تم تهريبه في سفينة عائدا إلى إسرائيل في 30 ديسمبر/ كانون الأول عام 1986.

موردخاي فعنونو (رويترز)
خائن أم بطل؟
نظرت إسرائيل إلى فعنونو على أنه خائن، وحاكمته سريعا، وأثناء جلسات المحاكمة أدهش فعنونو العالم بشجاعته وثباته إذ قال "على الإنسان أن يكون مستعدا للمجازفة بحياته والتضحية بها من أجل العمل الذي يعتبره مفيدا للإنسانية". وفي 27 مارس/ آذار 1988 صدر الحكم عليه بالسجن 18 عاما.

وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على دخوله السجن، قام فعنونو بتوجيه رسالتين إلى الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي، الأولى في 8 يناير/ كانون الثاني 1998م، والثانية في 3 مارس/ آذار من نفس العام، دعاهم فيها إلى القيام بتشكيل معارضة حقيقية للأسلحة النووية الإسرائيلية.

حاز فعنونو على جائزة The Livehood Award في ديسمبر /كانون الأول 1987من السويد، وهي توازي جائزة نوبل، وتبرع بثمنها البالغ مائة ألف دولار لتأسيس منظمة تدعو إلى منع انتشار الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، وتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل في فبراير/ شباط 2001.

واليوم وفي تمام الثامنة بتوقيت غرينتش، خرج فعنونو إلى النور مرة أخرى بعدما أمضى 18 عاما في السجن عانى خلالها من تعذيب وصفه هو بأنه وحشي وبربري، لكن حريته مازالت مقيدة بالكثير من التعليمات والمحظورات التي أقرتها سلطات إسرائيل ضد تحركاته واتصالاته.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة