شكلت معارضة فرنسا وألمانيا لشن حرب على العراق أول تحد حقيقي للهيمنة التي بسطتها الولايات المتحدة على العالم منذ انتهاء الحرب الباردة، كما يخشى أن تؤدي إلى توتر النظام العالمي القائم على الانسجام عبر المحيط الأطلسي.

وتوقع المحللون لأشهر عدة أن تساند باريس وربما برلين موقف واشنطن من بغداد، المبني أساسا على سياستها الأمنية الجديدة المعروفة بالهجمات الوقائية.

غير أن تحرك فرنسا وبلجيكا وألمانيا لعرقلة خطط حلف شمال الأطلسي "الناتو" للدفاع عن تركيا في حال اندلاع الحرب ومطالبة كل من فرنسا وألمانيا ومعهما روسيا بمنح مزيد من الوقت لمهام التفتيش في العراق، قد كشف رغبة جديدة للوقوف في وجه القوة الأميركية.

ويقول ستيفن إيفرتز من مركز الإصلاح الأوروبي بلندن إنه إذا أراد أي طرف أن يدفع الآخرين عن طريق التخويف لتأييد حرب فهذه إستراتيجية لها مخاطرها الشديدة، ويمكن أن يكون لها مردود عكسي. وأضاف أن الأميركيين ارتكبوا خطأ كبيرا عندما حاولوا الترويج لتلك الحرب على أساس نظرية الهجمات الوقائية، لأن ذلك أدى إلى دق نواقيس الخطر في كل مكان.

فلاديمير بوتين
ونسب إلى المستشار الألماني غيرهارد شرودر قوله إن الخلاف هو حول حماية السيادة الأوروبية، وحول النظام الأحادي القطب. كما ذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثلاثاء الماضي أنه إذا أريد للعالم أن يكون أكثر معقولية وفهما وأكثر أمنا فلابد أن يكون متعدد الأقطاب.

وقد سمم الخلاف بالفعل العلاقات الأميركية مع برلين وباريس، كما أضر بمصداقية الناتو وأحدث انقساما في الاتحاد الأوروبي. ولكن إذا لم يتخط الجانبان خلافاتهما وقامت الولايات المتحدة بشن عمل عسكري ضد العراق دون مساندة مجلس الأمن، فإن الخسائر قد تكون دائمة وضد المصالح الأوروبية والأميركية على المدى البعيد.

ويبدي العديد من المسؤولين الأميركيين وحلفاء الولايات المتحدة تعجبا من أن بعض الأوروبيين يتشككون في أن التفوق الأميركي هو قوة تستخدم لتحقيق الخير وليس لغرض آخر. ويقولون إن الخلاف عبر الناتو يحول الانتباه عن التهديد الذي يمثله العراق، كما يمثل خطر تقسيم نهائي وبالتالي تهميش أوروبا.

ويتفق راديك سيكورسكي الباحث البولندي من المعهد الأميركي للمؤسسات بواشنطن مع وصف وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد الأخير لفرنسا وألمانيا بأنهما تمثلان أوروبا القديمة، مضيفا أن المشكلة فيهما وليس في السياسة الأميركية. وذكر أن "فرنسا وألمانيا لا تستطيعان السيطرة على القارة.. للولايات المتحدة أصدقاء عديدون في أوروبا يدركون أن أوروبا والولايات المتحدة حضارة واحدة".

وبينما ينقسم الزعماء الأوروبيون بشأن مساندة السياسة الأميركية تجاه العراق، فإن الرأي العام بالقارة يبدو معارضا للحرب بشدة ومستاء بالفعل مما يعتبره الكثيرون لامبالاة أميركية بالمؤسسات والاتفاقيات الدولية.

ويقول تشارلز كوبتشان الباحث بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي إن الخلاف الجديد تحد خطير، رغم أن القليلين يرون أن ضعف أوروبا العسكري والخلافات الداخلية لا تمثل تهديدا مباشرا للهيمنة الأميركية.


خلاف أعضاء الناتو بشأن العراق جديد في نوعه وربما لا يمكن مقارنته سوى بأزمة السويس عام 1956 عندما أدانت واشنطن والأمم المتحدة العمل العسكري الذي شنته بريطانيا وفرنسا بعدما أممت مصر قناة السويس
ويذكر جون بالمر من مركز السياسات الأوروبية في بروكسل أن خلاف أعضاء الناتو بشأن العراق جديد في نوعه وربما لا يمكن مقارنته سوى بأزمة السويس عام 1956، عندما أدانت واشنطن والأمم المتحدة العمل العسكري الذي شنته بريطانيا وفرنسا بعدما أممت مصر قناة السويس.

ولا يشعر الكثيرون في أوروبا بالارتياح تجاه إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي تقوم على الهجمات الوقائية ضد الذين يسعون للحصول على أسلحة الدمار الشامل، كما تعكس الإصرار الأميركي على تحقيق الهيمنة الدولية على حساب الجميع.

وقد اعتادت الولايات المتحدة تحدي فرنسا لسلطتها، لكنها فوجئت -على ما يبدو- وربما تضررت من أن ألمانيا قد حررت نفسها من أغلالها بعد الحرب، كما طرحت نفسها على المسرح الدولي في مواجهة الدولة التي حمتها سابقا أثناء الحرب الباردة.

ورغم التأييد الشعبي فإن موقف شرودر الرافض للحرب قد أثار قلق مسؤولي السياسة الخارجية والحكومة الألمانية، في حين يخشى رجال الصناعة من تعرض العلاقات التجارية لخسائر دائمة.

وقد دعا الخبراء الجانبين إلى التراجع مؤكدين حاجة كل منهما إلى الآخر لمواجهة التحديات الجديدة التي يتعرض لها الأمن الدولي مثل ما سموه نمو الأصولية الإسلامية.

وكتب فيليب إتش جوردون في العدد الأخير من مجلة فورين أفيرز "أن التصرف على أساس الفرضية الخاطئة بأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى حلفاء أو أنها ستجد حلفاء آخرين في أماكن أخرى يكونون أكثر أهمية أو يمكن الاعتماد عليهم أكثر، يمكن أن يكلف الولايات المتحدة تأييد وتعاون هؤلاء الذين يمكن أن يكونوا أكثر أهمية بالنسبة لها في عالم شديد الخطورة".

المصدر : رويترز