الدبابات الإسرائيلية مشهد يومي للدمار والقتل في الأراضي الفلسطينية (الفرنسية)

سعيد إحميدي

على نحو غير مألوف في تاريخ العلاقة بين المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل صدرت عن القيادة السابقة لجهاز الأمن الداخلي (شين بيت) انتقادات ليس لها سابق في حدتها على خلفية سياسة الحكومة المتشددة تجاه الفلسطينيين والتي وصفتها بأنها ستقود الإسرائيليين إلى حافة الكارثة.

وتناولت كبرى الصحف العبرية اليوم انتقادات حادة لأسلوب الحكومة الإسرائيلية في إدارة عملية السلام مع الفلسطينيين، وشعور القلق الذي يساور قادة شين بيت السابقين إزاء سياسة الحكومة تجاه الفلسطينيين وعدم منحهم تسهيلات ضرورية، محذرين من أن مواصلة فرض منع التجول والطوق العسكري تلحق ضررا أمنيا و"تعزز مشاعر الكراهية لإسرائيل وتقوي مكانة" تنظيمات المقاومة.

ويقول يعقوب بيري الذي رأس الشين بيت بين عامي 1988 و1995 لصحيفة يديعوت أحرونوت "نحن نتجه بسرعة إلى كارثة تقريبا.. إذا لم يحدث شيء واستمررنا في الحياة بحد السيف سنسقط في الطين وندمر أنفسنا".

وعلى نحو غير مسبوق انتقد قبل أسبوعين رئيس الأركان الإسرائيلي موشيه يعالون الحكومة محذرا من انفجار هائل في الأراضي الفلسطينية المحتلة جراء الحصار الخانق. ودعا لرفع بعض القيود المفروضة على الفلسطينيين قائلا إن الإجراءات الإسرائيلية القاسية على تنقلات الفلسطينيين وحظر التجوال المفروض في المناطق الفلسطينية تخلق أزمة إنسانية وتزيد من التأييد لرجال المقاومة.

وليست هذه الانتقادات إلا تعبيرا عن شعور متنام بالسخط من سياسات شارون والإحباط المتزايد لرفض الحكومة تبني خيارات سياسية مع الفلسطينيين.

ويتوقع أن تحدث صرخة المؤسسة الأمنية وقيادة الجيش صدى مدويا خصوصا حيال حقيقة أن المؤسستين العسكرية والأمنية كانتا دائما تابعتين مخلصتين للمؤسسة السياسية وتلتزم أوامرها ولم تصدر عنهما اعتراضات علنية.

وليس واضحا مدى تلك المعارضة، لكنها تعكس الانقسامات في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لدى الذين بدؤوا يرون أن سياسة القبضة الحديدية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة تأتي بنتائج عكسية.

إحباط

بعض قادة المؤسسة العسكرية يطالبون بتخفيف الإجراءات المشددة على تنقل الفلسطينيين (الفرنسية)
ولم تتزايد الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية إلا لما تعانيه حكومة شارون من إحباط لعدم قدرتها على إنهاء الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ويقول مراقبون إن هناك عناصر في المؤسسة الإسرائيلية بدأت تشعر أن الوضع الراهن في الأراضي المحتلة لا يمكن أن يظل كما هو، وأنه يجب أن يعرض على الفلسطينيين ولو أفق سياسي، لمساعدة السلطة الفلسطينية التي ضعفت لحد كبير في الخروج من محنتها، وإذا لم يحدث ذلك، فإن السلطة ستضمحل تماما ولن تجد إسرائيل أمامها من تتحدث إليه على الجانب الفلسطيني.

وكانت القيادة العسكرية أوصت شارون بعدم تفويت الفرصة للتحدث إلى رئيس الحكومة الفلسطينية أحمد قريع ومنحه فرصة تحقيق برنامجه، على الرغم من أنها ليست متفائلة على غرار تفاؤلها بحكومة سلفه محمود عباس. وتعزو تراجع التفاؤل إلى تغير الظروف والتحول في الرأي العام الفلسطيني لمصلحة المقاومة المسلحة.

وترى القيادة العسكرية أن قريع يحول دون الانهيار التام للسلطة الفلسطينية، وبالتالي تحمل الجيش مسؤولية تصريف شؤون أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يقبعون تحت نير الاحتلال.

ولم تكن أصوات المعارضة في المؤسسة العسكرية حكرا على المسؤولين الكبار فقط بل شملت المراتب الدنيا أيضا، حيث رفضت مجموعة من طياري سلاح الجو المشاركة في شن غارات على الأراضي الفلسطينية يمكن أن تؤدي إلى قتل مدنيين، وسبق أن رفض مجندون إسرائيليون الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن غير المتوقع أن تسدد تلك التصريحات ضربة كبرى لشارون، لكنها على الأرجح ستفتح المجال أمام مزيد من الانتقادات التي ربما يتسع نطاقها.
_____________________
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة