يوسف القرضاوي

اختتم المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث اجتماعاته الدورية التي عقدها في مدينة بلنسية الإسبانية. وعقدت الاجتماعات بحضور عشرات العلماء والباحثين من عموم أوروبا والعالم العربي والإسلامي وسط اهتمام أوروبي ومحلي كبير.

وأدار الدكتور يوسف القرضاوي أعمال الدورة بحكم رئاسته لهذا المجلس، بمقر المركز الثقافي الإسلامي في بلنسية في الفترة من 18 وحتى 22 من شهر يوليو/تموز الجاري.

وصدرت عن اجتماعات الدورة الثامنة للمجلس قرارات خاصة بحقوق الملكية الفكرية في برامج الحاسوب، والتأمين على الحياة، وإسلام الزوجة وبقاء زوجها على دينه. وأصدر المجلس عددا من التوصيات التي تهم المسلمين عامة والمقيمين منهم في أوروبا على وجه الخصوص.

وقد أعربت حكومة مقاطعة بلنسية عن ترحيبها بانعقاد أبرز الملتقيات الفقهية الأوروبية فيها، حسبا ذكر حاكم المقاطعة خوسي هيرري الذي تحدث في حفل الافتتاح، بوصفه مندوباً عن الحكومة الإسبانية. كما حضر الحفل ممثلون عن مؤسسات رسمية وأهلية إسبانية، بالإضافة إلى جمهور غفير من المسلمين وشخصيات عامة في البلاد.

وأعلن المجلس أن دورته التاسعة من المقرر أن تنعقد في فبراير/ شباط المقبل بالعاصمة الفرنسية باريس، وأن العاصمة السويدية ستوكهولم ستستضيف أعمال دورته العاشرة المقرر عقدها في نهاية أغسطس/ آب 2002.

مسلمون أمام أحد المساجد في بريطانيا

وقد أصدر المجلس عددا من القرارات والتوصيات أهمها:

حقوق الملكية الفكرية في برامج الحاسوب:
أكد المجلس أن الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف، والاختراع، والابتكار، هي حقوق لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية، وهذه الحقوق يُعتد بها شرعاً فلا يجوز الاعتداء عليها.
- يجوز التصرف في الاسم التجاري، أو العنوان التجاري، أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي, إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أنّ ذلك أصبح حقاً مالياً.
- حقوق التأليف والاختراع والابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها".
- إنّ برامج الحاسب الآلي سواء أكانت برامج تشغيلية أم برامج تطبيقية أم تخزينية، وسواء أكانت برامج المصدر المهيمنة على جميع عمليات التخزين والإدخال والإخراج للبيانات أو المحررة بإحدى لغات الحاسوب، لها قيمة مالية يُعتد بها شرعاً، فيجوز التصرف فيها لأصحابها من المنتجين أو الوكلاء بالبيع والشراء والإجارة ونحوها إذا انتفى الغرر والتدليس.
- بما أنّ هذه البرامج حق مالي لأصحابها فهي مصونة شرعاً، فلا يجوز الاعتداء عليها رعاية لحقوق الآخرين الذين بذلوا جهوداً وأموالاً في إنتاجها، ومنعاً لأكل أموال الناس بالباطل.
- يجب على مشتري البرامج أن يلتزم بالشروط التي لا تخالف الشرع والقوانين المنظمة لتداولها، للنصوص الدالة على وجوب الوفاء بالعقود والالتزام بالشروط، فلا يجوز استنساخها للغير مادام العقد لا يسمح بذلك.
- لا يجوز شراء البرامج التي عُلم أنها مسروقة أو مستنسخة بوجه غير مشروع ولا المتاجرة بها.
- يجوز لمشتري البرامج أن يستنسخ منها لاستعماله الشخصي.
- على الشركات المنتجة والوكلاء عدم المبالغة في أثمان البرامج.

مسألة التأمين على الحياة
أولا-أكد المجلس من جديد ما صدر عنه في دورته السادسة حول موضوع التأمين وإعادة التأمين.
ثانياً- أكد ما صدر عن بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري على الحياة، وجواز التأمين التعاوني إذا خلا من الربا والمحظورات الشرعية، وعلى ما صدر عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي التي حضرها ثلة من الفقهاء المعاصرين والاقتصاديين عام 1992 وانتهت إلى إصدار الفتوى التالية:
1- التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه، هو من المعاملات الممنوعة شرعاً لاشتماله على الغرر الكثير والربا والجهالة.
2- لا مانع شرعاً في التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني (التكافلي)، وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساط غير مرتجعة، وتنظيم نقطة الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البرِّ والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين، والمبدأ الذي لا يتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها العامة.
ثالثاً- ومع ما سبق فإن حالات الإلزام قانونياً أو وظيفياً مسموح بها شرعاً، إضافة إلى ما سبق استفتاؤه في قرارات الدورة السادسة.

إسلام الزوجة وبقاء زوجها على دينه
بعد اطلاع المجلس على البحوث والدراسات المختلفة في توجهاتها، والتي تناولت الموضوع بتعمق وتفصيل في دورات ثلاث متتالية، واستعراض الآراء الفقهية وأدلتها مع ربطها بقواعد الفقه وأصوله ومقاصد الشرع، ومع مراعاة الظروف الخاصة التي تعيشها المسلمات الجديدات في الغرب حين بقاء أزواجهن على أديانهم، فإنّ المجلس يؤكد أنه يَحرُم على المسلمة أن تتزوج ابتداءً من غير المسلم وعلى هذا إجماع الأمة سلفاً وخلفاً. أما إذا كان الزواج قبل إسلامها فقد قرّر المجلس في ذلك ما يلي:
أولاً- إذا أسلم الزوجان معاً ولم تكن الزوجة ممن يَحرُم عليه الزواج بها ابتداءً كالمحرّمة عليه حرمة مؤبدة بنسب أو رضاع، فهما على نكاحهما.
ثانياً- إذا أسلم الزوج وحده ولم يكن بينهما سبب من أسباب التحريم وكانت الزوجة من أهل الكتاب، فهما على نكاحهما.
ثالثاً- إذا أسلمت الزوجة وبقي الزوج على دينه فيرى المجلس ما يلي:
أ- إن كان إسلامها قبل الدخول بها فتجب الفرقة حالاً.
ب- إن كان إسلامها بعد الدخول وأسلم الزوج قبل انقضاء عدتها، فهما على نكاحهما.
ج- إن كان إسلامها بعد الدخول وانقضت العدة، فلها أن تنتظر إسلامه ولو طالت المدة، فإن أسلم فهما على نكاحهما الأول دون حاجة إلى تجديد له.
د- إذا اختارت الزوجة نكاح غير زوجها بعد انقضاء العدة فيلزمها طلب فسخ النكاح عن طريق القضاء.
رابعاً- لا يجوز للزوجة عند المذاهب الأربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها أو تمكينه من نفسها. ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية إذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في إسلامه، وذلك لعدم تنفير النساء من الدخول في الإسلام إذا علمن أنهن سيفارقن أزواجهن ويتركن أسرهن. ويستندون في ذلك إلى قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تخيير المرأة في الحيرة والتي أسلمت ولم يسلم زوجها: "إن شاءت فارقته وإن شاءت قرّت عنده"، وهي رواية ثابتة عن يزيد بن عبد الله الخطمي. كما يستندون إلى رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا أسلمت النصرانية امرأة اليهودي أو النصراني كان أحق ببضعها لأنّ له عهداً، وهي أيضاً رواية ثابتة. وثبت مثل هذا القول عن إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان.

مسلمون يؤدون الصلاة في أحد المساجد شمالي اليونان (أرشيف)

توصيات الدورة الثامنة للمجلس
1- يوصي المجلس المسلمين برعاية الحقوق كلها وإعطاء الصورة الطيبة والقدوة الحسنة، كما يوصيهم بالإبداع والابتكار وتشجيع ذلك على جميع المستويات.
2- يوصي جميع المسلمين الذين يعيشون على أرض أوروبا أن يسعوا جادين لإنشاء شركات ومؤسسات مالية في مجال التأمين التعاوني وغيره، والاتصال بشركات التأمين التعاوني السائدة في الغرب للاتفاق معها على إزالة المحظورات الشرعية (كالربا) للوصول إلى إيجاد صناديق تعاونية تخلو منها.
3- يوصي المجلس المسلمين في أوروبا بالعمل الجاد للحصول على اعتراف الدولة التي يقيمون فيها بالإسلام ديناً وبالمسلمين أقلية دينية -على غرار الأقليات الدينية الأخرى- في التمتع بحقوقهم كاملة، وفي تنظيم أحوالهم الشخصية كالزواج والطلاق وفقاً لأحكام دينهم. ومن أجل ذلك فإنّ المجلس يوصي المسلمين بتشكيل هيئات شرعية تتولى تنظيم أحوالهم الشخصية وفق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء مع مراعاة الالتزام بالقوانين السائدة.
4- كما يوصي المجلس هؤلاء المسلمين -ويشدِّد في الوصية- بالالتزام بما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنة وبما أجمع عليه فقهاء الإسلام، من وجوب الوفاء بمقتضيات عهد الأمان وشروط المواطنة والإقامة في البلاد الأوروبية التي يعيشون فيها. ومن أهم ما يجب عليهم الوفاء به:
أ- أن يعتقدوا أنّ أرواح غير المسلمين وأموالهم وأعراضهم مصونة بمقتضى ذلك العهد الذي دخلوا به هذه البلاد، والذي لولاه لما سُمح لهم بدخولها أو استمرار الإقامة فيها، وقد قال الله تعالى "وأوفوا بالعهدِ إنّ العهدَ كان مسؤولا".
ب- أن يحترموا قوانين هذه البلاد التي آوتهم وحمتهم ومكّنتهم من التمتع بكل ضمانات العيش الكريم، وقد قال تعالى "وهل جزاءُ الإحسانِ إلاّ الإحسان".
ج- أن يجتنبوا كلّ أساليب الكسب الحرام على اختلاف أنواعه، ومنها سعي بعض المسلمين للحصول على معونة الضمان الاجتماعي مع أنهم يعملون أو يتاجرون.
د- أن يبذلوا أقصى الوسع في تنشئة الجيل الجديد -بنين وبنات- تنشئة إسلامية معاصرة، وذلك بتأسيس المدارس والمراكز التربوية والترفيهية لحمايتهم من الانحراف.
5- كما يوصي المجلس المسلمين عامة والمقيمين في بلاد الغرب خاصة, بالاعتصام بحبل الله والأخوة والسماحة والوسطية والتعاون على البر والتقوى والتزام الحوار الهادئ والأساليب السليمة في معالجة قضايا الخلاف، بعيداً عن مناهج التشدد ومسالك التطرف التي تشوه صور الإسلام وتسيء أبلغ الإساءة إلى المسلمين عامة وإلى الأقليات المسلمة خاصة، فيتلقفها أعداء الإسلام والجاهلون به للتشنيع عليه والتخويف منه ومن أهله واستعداء الأمم عليه، وقد قال الله تعالى "ادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

يذكر أن المجلس قد تأسس عام 1997 بمبادرة من اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا ليكون مرجعية فقهية واستشارية للأقليات المسلمة في شرق القارة وغربها. وهو يعقد دورتين في السنة الواحدة يجتمع فيها علماء وباحثون وخبراء من دول أوروبية وإسلامية لتدارس المسائل الفقهية والقضايا الشرعية التي تخص واقع مسلمي أوروبا.

المصدر : قدس برس