ميغاواتي.. الوصول إلى القمة
آخر تحديث: 2001/7/24 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/5/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2001/7/24 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1422/5/4 هـ

ميغاواتي.. الوصول إلى القمة

ميغاواتي سوكارنو
لم تتوقع الرئيسة الجديدة لإندونيسيا ميغاواتي سوكارنو بوتري يوما أنها ستدخل بعد 33 عاماً قصر الرئاسة الذي أجبر والدها على الرحيل عنه بعد الانقلاب الذي قاده قائد جيشه آنذاك الجنرال سوهارتو. تماما كما لم يتوقع الرئيس المخلوع عبد الرحمن واحد أن تكون تهم الفساد التي لاحقت سوهارتو وكانت سببا في الإطاحة به بعد 30 عاما من الحكم هي نفسها التهم التي وجهت إليه وكانت سببا في عزله بعد 21 شهرا فقط قضاها رئيسا.

الخروج من القصر
ففي عام 1968 قاد قائد الجيش الإندونيسي الجنرال سوهارتو انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس أحمد سوكارنو أول رئيس لإندونيسيا بعد استقلالها عن الاحتلال الهولندي عام 1945، واضطر سوكارنو إلى مغادرة قصر الرئاسة بعدما قضى فيه 23 عاما. ولم تكن ابنته ميغاواتي التي أنجبتها له زوجته الثانية وكانت تبلغ من العمر آنذاك 21 عاما تتوقع أن تكون هذه هي نهاية والدها الذي يعتبره الشعب الإندونيسي قائدا للاستقلال، وتعتبره شعوب العالم الثالث خاصة في أفريقيا وآسيا واحدا من أعلام التحرر الوطني بعد دوره البارز الذي لعبه في مؤتمر باندونغ الشهير الذي استضافته بلاده عام 1955.

تعليم لم يكتمل
لم تستطع ميغا -كما يطلق عليها أنصارها– أن تكمل دراستها لعلم النفس (1965 - 1967) أو للزراعة (1970 - 1972) في جامعة بادجاجاران، ولم يبلغ طموحها السياسي برغم نشاطها وسط الطلاب حد رئاسة أكبر دولة مسلمة في العالم، لكن التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة من حكم سوهارتو عجَِلت بذلك.

الطريق إلى القمة
ففي عام 1993 بدأت ميغاواتي الدخول بقوة في معترك الحياة السياسية من خلال ترؤسها للحزب الديمقراطي الذي أسسه والدها في العشرينيات من القرن الماضي، وحينما زاد حزبها من توجيه اللوم للرئيس الأسبق سوهارتو وفتح ملفات الفساد -الذي اتهم هو وعائلته به- قرر سوهارتو إغلاق الحزب وتدمير مبناه وتم ذلك بالفعل عام 1996، الأمر الذي كان له أكبر الأثر في ازدياد شعبية ميغاواتي وبروزها كزعيمة منحازة للفقراء وللطبقات الوسطى التي التفت حولها.

تسارعت وتيرة الأحداث في إندونيسيا وخرجت المظاهرات إلى الشوارع تطالب بعزل سوهارتو بعد الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ألمت بالبلاد عام 1997، ونجحت تلك المظاهرات في الإطاحة به عام 1998، وتولى الحكم نائبه يوسف حبيبي الذي لم يستطع التعامل مع التركة الثقيلة التي خلفها حكم سلفه.

انشقت ميغاواتي وأنصارها عن الحزب الديمقراطي عام 1998 وشكلت حزبا جديدا أطلقت عليه حزب النضال من أجل الديمقراطية، وفي أول انتخابات برلمانية حرة تجرى في إندونيسيا بعد عقود من الحكم الشمولي فاز حزب ميغاواتي بـ 34.7% من الأصوات وأصبحت له الأغلبية داخل البرلمان، إلا أن المؤسسة العسكرية والأحزاب الإسلامية كان لهم رأي آخر.

لم يكن أحد يتوقع أن يعلن عبد الرحمن واحد الذي كان يقترب من عامه الستين في أكتوبر/ تشرين الأول 1999 ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، وذلك لأسباب كثيرة أهمها اعتلال صحته العامة وعدم قدرته على الإبصار بدرجة تكاد تقترب من العمى. لكن اقتراب ميغاواتي من سدة الحكم جعل المؤسسة العسكرية الممثلة بـ 38 عضوا في مجلس الشعب الاستشاري -أعلى سلطة تشريعية في البلاد- وكتلة الأحزاب الإسلامية وبخاصة أحزاب النهضة القومية والتفويض القومي والتنمية المتحد والعدالة إضافة إلى حزب غولكار صاحب العلاقات المميزة بالجيش، جعلهم يرفضون فكرة أن تتولى امرأة منصب الرئيس، ولم يكن أمامهم خيار ثان إلا اختيار عبد الرحمن واحد، وتحسبا من غضبة أنصار ميغاواتي انتخبها المجلس نائبة له.

ارتفعت أسهم ميغاواتي في الـ 21 شهرا التي قضتها نائبة للرئيس من خلال تشددها إزاء الحركات المطالبة بالانفصال في إيريان جايا وأمبون وآتشه، وحسنت علاقاتها بالجيش الذي ثمَن مواقفها من هذه الدعوات واعتبرها "مواقف قومية للمحافظة على التراب الوطني الإندونيسي". ومن كلماتها في إحدى الخطب النادرة التي ألقتها في تلك الفترة "إن إندونيسيا نالت استقلالها في عهد رئاسة أبي الذي حمل راية الوحدة الوطنية، ولن أسمح أبدا بتغيير ذلك".

الوصول إلى القمة
وفي تطور دراماتيكي اتهم الرئيس عبد الرحمن واحد بفضيحة مالية لم يستطع إثبات براءته منها، وأصر مجلس الشعب الاستشاري على عزله، وهدد واحد تارة بإعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان وتارة أخرى بانتقام أتباعه في جمعية نهضة العلماء التي يقارب عدد أعضائها 35 مليونا، وكان يراهن في كل ذلك على دعم قوات الجيش والشرطة له، لكن خاب أمله حينما صوتت قيادة الأركان الممثلين في مجلس الشعب الاستشاري بـ 38 عضوا على البدء في جلسة المساءلة التي أصر على عدم حضورها، وأعلن قائد أركان الجيش الأميرال ويدولو أديسو سيبتو عدم تأييده لقرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ وانحيازه في تلك الأزمة لصالح البرلمان.

أعلن واحد حالة الطوارئ يوم الأحد 22/7/2001 إلا أن البرلمان الإندونيسي أصر على عقد جلسة العزل في اليوم التالي بعدما قررت المحكمة العليا في البلاد عدم دستورية قرار الرئيس. وفي جلسة واحدة عقدت يوم الاثنين 23/7/2001 وبأغلبية ثمانية مجموعات برلمانية من أصل 11 اتخذ البرلمان قرارا بعزل واحد من منصبه وتولية نائبته ميغاواتي خلفا له تبعا للدستور الإندونيسي.

مؤهلات البقاء
يتساءل الكثيرون من المراقبين عن مدى قدرة الرئيسة الجديدة للبلاد على التعامل مع الملفات الخطيرة التي تهدد إندونيسيا مثل النزاعات الانفصالية والتدهور الاقتصادي والفساد المالي والسياسي وتطلعات المؤسسة العسكرية لاستعادة دورها في الحياة السياسية كما كان الحال في الماضي القريب، في ظل تدخلات خارجية تحركها أطماع غربية في بلد يمتلك موارد اقتصادية وبشرية كبيرة، وغير ذلك من الأسئلة التي لا يمكن لأحد أن يجيب عليها إلا ميغاواتي نفسها من خلال سلوكها السياسي في الفترة القادمة.

المصدر : الجزيرة