بقلم: إلياس زنانيري

شارون و باراك
قطع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك كل شك باليقين وأعلن مساء الأربعاء أنه لن يتنحى لصالح شمعون بيريز، وطالب أعضاء حزب العمل بقراءة كتاب إسحق رابين "دفتر الخدمة" الذي تحدث فيه عن بيريز ووصفه بالمتآمر الذي لا يعرف الحدود في صراعه الداخلي على زعامة حزب العمل.

وبذلك وضع باراك حدا للأحلام الوردية التي راودت بيريز طيلة الفترة السابقة، وجعلته يقف موقف المتفرج أمام محاولات معسكره الحثيثة لعزل باراك وترشيحه بدلا منه لانتخابات رئاسة الوزراء. كما أن باراك بهذه الخطوة عمل على تسريع لحظة الحسم لدى ما يسمى بمعسكر اليسار في إسرائيل بالإضافة إلى عرب فلسطين المحتلة وهم الذين كانوا أوصوا بترشيح بيريز بعد أن منيت آمالهم بخيبة أمل كبرى من باراك.

شمعون بيريز
في إحدى زياراته للمدن العربية لحث الناخبين العرب على انتخاب إيهود باراك سمع بيريز كلاما قاسيا عن باراك وآخر لطيفا أكثر مما توقع من بعض القيادات العربية التي طالبته باحتلال موقع باراك والتنافس بدلا منه على رئاسة الوزراء أمام مرشح اليمين أرييل شارون، حتى أن البعض ذهب إلى حد القول لبيريز "إن أنت رشحت نفسك للانتخابات سنجعل الموتى يقومون من قبورهم للتصويت لصالحك، ولكن ليس لباراك الذي نعتبره مسؤولا عن سقوط 13 شهيدا من عرب الداخل في مظاهرات تشرين الأول الماضي".

لقد كان هذا الموقف الذي سكر منه بيريز حتى الثمالة أحد أبرز العوامل التي تستر وراءها معارضو باراك داخل المعسكر اليساري في إسرائيل لمطالبته بالتنحي وإفساح المجال أمام بيريز للتنافس بسبب الفرص الأفضل التي يملكها للتفوق على شارون مرشح اليمين المتطرف.

هل يملك بيريز فرصة الفوز على شارون؟
ولكن هل يملك بيريز حقا فرصة الفوز على شارون؟ الحقيقة أنه ما من أحد من مؤيدي بيريز استطاع حتى الآن أن يجزم بالإيجاب، بل اكتفت غالبيتهم بالقول إن فرصه أفضل من فرص باراك. وتتداول الأوساط الإسرائيلية طرفة عن بيريز باعتباره الرجل الذي خلق ليمنى بالهزيمة، للتأكيد على أنه فقد كل مستقبله السياسي وأنه أضاع ما تبقى له من السنين لاهثا وراء سراب. وتقول الطرفة إن كل أعضاء الكنيست الإسرائيلي تلقوا دعوة للمشاركة في سباق للجري، فلم يلب الدعوة سوى بيريز الذي حصل في نهاية السباق على المرتبة الثانية!

وحسب قانون الانتخاب الإسرائيلي فإن باستطاعة أي حزب إسرائيلي تغيير مرشحه لرئاسة الوزراء شريطة أن يتم ذلك في وقت أقصاه 96 ساعة قبل بدء الانتخابات أي صباح الجمعة (غدا)، ولذلك كان واضحا منذ أن برزت تلك الأصوات لتحث باراك على التنحي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ليس من النوع الذي يستسلم بسهولة، وأصر في المقابل على السير حتى نهاية المطاف.

ويعلل باراك موقفه بالقول إن مؤيدي بيريز سرعان ما سيغيرون موقفهم وينضمون إلى معسكره فور توصلهم إلى قناعة بأن استبدال بيريز به لم يعد خيارا قائما على الإطلاق.

لقد كان متوقعا أن ينتظر باراك حتى فجر الجمعة وصدور نتائج استطلاع الرأي في نهاية الأسبوع ليقرر ما إذا كان سيتنحى لصالح بيريز أم لا استنادا لنتيجة هذه الاستطلاعات، ولكن العارفين ببواطن الأمور يدركون أن أي استطلاع للرأي ينشر صباح الجمعة يكون قد جرى في منتصف الأسبوع وغالبا ما يكون ذلك أيام الأربعاء، ولذلك لم تكن حاجة لباراك كي ينتظر حتى صباح الجمعة ليحدد موقفه مجددا دون لبس أو دوران!

وكان تيار قد برز داخل حزب العمل يؤيده العديد من كبار الحزب يطالب باراك بالتنحي لأكثر من سبب: الأول هو أن فرص بيريز -كما أشرنا- هي أفضل من تلك التي ملكها باراك، والثاني -وقد يكون الأهم- هو أن هذه القيادات العمالية أرادت تصفية حساباتها مع كل من بيريز المهزوم دوما وباراك الذي ضرب -حسب هؤلاء- بأنظمة ولوائح الحزب الداخلية عرض الحائط، بعد أن أنهى إلى حد كبير وجود حزب العمل واستعاض عنه بتركيبة "إسرائيل الواحدة" التي جاءت لتشكل قاعدته فوق الحزبية في رئاسة الوزراء.

ويرى هؤلاء أن فوز شارون سيعمل على تسخين الجبهة الداخلية في حزب العمل بفعل الصراع بين أقطاب الحزب على زعامته. وأبرز هؤلاء حاييم رامون وإبراهام بورغ وشلومو بن عامي وماتان فيلنائي. وقد بدأ هؤلاء بالفعل في شحذ السكاكين استعدادا لليوم التالي للانتخابات، الأمر الذي يهدد باراك بالهزيمة المزدوجة إن خسر أمام شارون أو يؤجل معركة داخلية حاسمة إلى أمد غير منظور.

وفوق ذلك فإن المتربصين بباراك ينتظرون بفارغ الصبر نتيجة انتخابات الثلاثاء لتصفية الحساب مع هذا الجنرال الهابط عليهم من السماء، والذي نظروا إليه ذات يوم على أنه الخليفة الشرعي والوريث الحقيقي لرئيس الوزراء المقتول إسحق رابين، فتبين فيما بعد أنه ليس أكثر من خيبة أمل كبرى لليسار وللوسط على حد سواء.

بيد أن باراك مازال يرفض هذه الاتهامات الموجهة إليه ويصر على أن وجهته منذ أن تسلم الحكم قبل أكثر من عام ونصف كانت دوما التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، وإن لم يتوصل إلى مثل هذا الاتفاق فاللوم يقع على الرئيس عرفات كما يصر هو ومستشاروه.

وبعد أن فقد باراك ورقة الاتفاق مع الفلسطينيين لخوض الانتخابات عاد وأكد مجددا أنه لن يقبل باستمرار التواجد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتعهد في خطاب أمام جمهوره مساء الثلاثاء الماضي بسحب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية في عامين أو ثلاثة أعوام، تماما كما فعل حين اتخذ قرارا بالانسحاب المفاجئ والسريع من الجنوب اللبناني المحتل في أواخر مايو/ أيار الماضي.

وأكد باراك في خطابه أنه حتى لو لم يتوصل إلى اتفاق مع عرفات فإنه سيعمل على تحقيق الفصل عن السلطة الوطنية الفلسطينية من جانب واحد إذا ما فشلت خطوات التنسيق مع الفلسطينيين، ويكون حينها في حل من أمره وقادرا على ضم تجمعات استيطانية يهودية في الضفة الغربية إلى إسرائيل، دون أن تثير خطوة كهذه رد فعل غاضب على المستوى الدولي وربما العربي كذلك.

ولم يكن من قبيل الصدفة كذلك لجوء بعض مؤيدي باراك إلى توزيع نماذج زاد عددها عن مائتي ألف نموذج لاستدعاء الاحتياط في الخدمة العسكرية وسيلة لتجنيد المزيد من الدعم لرئيس الوزراء في مواجهة شارون. فالرسالة التي أراد هؤلاء إيصالها للناخب الإسرائيلي واضحة تماما ومفادها أن انتخاب شارون سيجلب الويل للإسرائيليين قبل غيرهم بسبب السياسة الحربية المتهورة التي سيتبعها شارون بمجرد دخوله مكتب رئيس الوزراء.

لذلك ليس غريبا أن تكون قضية السلام مع الفلسطينيين -أولا ومن ثم مع سائر العرب ثانيا- الشغل الشاغل للإسرائيليين اليوم قبل ستة أيام من توجههم إلى صناديق الاقتراع.

ومما أثار القلق لدى الكثير من الدوائر الإسرائيلية استطلاع الرأي الذي أجراه مركز بانوراما للتسويق لصالح حزب إسرائيل بيتنا (اليهود الروس) برئاسة أفيغدور ليبرمان. فقد أشار الاستطلاع إلى أن  48.4% من مؤيدي شارون يؤيدون الموقف الذي طرحه ليبرمان للرد على الدول العربية حين يصبح شارون رئيسا للوزراء. ويذكر أن من جملة ما هدد به ليبرمان بعد فوز شارون هو ضرب أسوان وطهران!

في ضوء ذلك كله لم يبق أمام باراك في واقع الحال سوى انتظار التطور الدرامي المفاجئ الذي قد يحدث الانقلاب المطلوب في الشارع الإسرائيلي لصالحه، وهذا ما يفسر حمى الاتصالات الجارية عبر رئيس وزراء السويد -الدولة المناوبة على رئاسة المجموعة الأوروبية- والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والرئيس المصري حسني مبارك.

وهدف كل هذه الاتصالات عقد قمة بين الرئيس عرفات وباراك ربما يوم الأحد يتم تتويجها بصدور بيان مشترك يحدد الخطوط العريضة لتسوية الوضع النهائي وفق ما تم التوصل إليه في مفاوضات طابا، مع تحديد جدول زمني لاستئناف المفاوضات في مطلع مارس/ آذار القادم والتوقيع على الاتفاق بصيغته النهائية في الخامس عشر من الشهر ذاته.

ياسر عرفات
ونقلت مصادر إسرائيلية عن باراك خشيته من عقد هذه القمة لسببين: الأول أنه لا يضمن موافقة الرئيس عرفات على إصدار البيان المشترك المنشود، والآخر خوفه من قيام المقاومة الإسلامية بعملية انتحارية في قلب إسرائيل تقلب الطاولة رأسا على عقب وتأتي بأصوات جارفة لصالح شارون، كما حصل مع بيريز في انتخابات 1996.

وكان باراك قد أعلن يوم الأحد الماضي وقف كل اتصال مع السلطة الوطنية الفلسطينية ردا على الاتهامات الحرجة التي وجهها عرفات إلى إسرائيل في خطابه أمام مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا، وقال فيه إن إسرائيل تشن حرب إبادة بربرية ضد الشعب الفلسطيني، إلا أنه عاد مؤخرا وغير من موقفه بعد ضغط من مؤيديه الذين أصروا على أن حبل النجاة الوحيد الذي يمكن أن ينقذ باراك من غرق الانتخابات هو الرئيس عرفات والبيان المشترك معه!

بقي أن نشير إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية التي يشرف عليها وزير الخارجية العمالي شلومو بن عامي بدأت بخطوات عملية للتحضير لمرحلة ما بعد الثلاثاء.

وقد عقد سفراء إسرائيل لدى الدول الأوروبية اجتماعا في برلين يوم الثلاثاء الماضي لتدارس الخطوات الواجب اتخاذها فور الإعلان عن فوز شارون، وخاصة في ضوء الانتقادات الأوروبية الساخطة المتوقع صدورها. وقد أكدت مصادر إسرائيلية أن المجتمعين قرروا شن حملة إعلامية واسعة النطاق بين الدول الأوروبية بهدف إبعاد التهمة عن شارون وعن إسرائيل، ولتوجيه اللوم إلى الرئيس ياسر عرفات باعتباره الطرف الذي أحبط التوصل إلى اتفاق بين السلطة الوطنية وإسرائيل.

المصدر : الجزيرة