الشيخ أحمد ديدات على سرير المرض
وضاح خنفر- جوهانسبيرغ
يحظى الشيخ أحمد ديدات بشعبية واسعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذي عرفه داعية قوي الحجة واسع المعرفة في المجالات التي تفوق فيها وهو يقارع خصومه في المناظرات التي جرت في أنحاء متفرقة من العالم، قبل أن تصيبه نوبة قلبية عام 1996 تسببت في حرمانه من الحركة والنطق.

ولد الشيخ ديدات لعائلة جنوب أفريقية من أصول هندية، وبدأ حياته عاملا بسيطا في أحد المصانع بمدينة ديربان الساحلية. ومع أنه لم يتلق تعليما دينيا رسميا إلا إن سخرية بعض زملائه من زواج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من عدة نساء قد أثارت فيه غيرة وحماسة قادت إلى تغيير مجرى حياته، إذ عمد فورا إلى اقتناء نسخة من القرآن الكريم باللغة الإنجليزية ونسخة من الإنجيل ليبدأ بعدها رحلة فريدة من التعلم الذاتي, أعانه على ذلك ذاكرته المتميزة وأسلوب حديثه الشيق اللذان أكسباه شهرة واسعة في أوساط الجالية المسلمة بجنوب أفريقيا.

بدأ الشيخ ديدات حياته الدعوية بنشر الإسلام في أوساط الأفارقة في وقت كان التواصل فيه بين الأعراق المختلفة جريمة يعاقب عليها القانون العنصري، وآثر أن ينتقل للعيش في أوساط قبيلة الزولو في ظروف حياتية غاية في البساطة، وبسبب من إصراره وتعاون زوجته استطاع أن يبني عام 1968 نواة أول مركز إسلامي هناك أسماه مركز السلام.

وفي الوقت نفسه كان الشيخ ديدات قد أسس مع زميل له المركز الإسلامي للدعوة بميزانية لم تتجاوز وقتها عدة قروش، وهو المركز نفسه الذي يقف اليوم شامخا وسط مدينة ديربان وبميزانية لا تقل عن عدة ملايين من الدولارات.

عرف ديدات بإصراره وقوة شخصيته، ويقول عنه الذين عرفوه إن جسارته وإقدامه هما السبب في نجاحه، فقلما كان يأبه لأي عواقب في سبيل تحقيق مهمته والقيام بمسؤولياته.

عرف ديدات بتبحره في علم الأديان المقارن، وكان لمحاضراته ومناظراته وقع كبير في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وبالمقدار الذي أكسبته إعجاب المعجبين فإنها أثارت عليه غضب المخالفين.

وكان للحياة السياسية في جنوب أفريقيا في الستينيات والسبعينيات أثر كبير على توجه الشيخ ديدات وأسلوب مناظراته. إذ رأى الشيخ في تلك المناظرات مع كبار رجال الدين المسيحيين وسيلة لضرب عنجهية الرجل الأبيض الذي امتهن كرامة غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا, كما يؤكد ذلك الدكتور غلام حسين الذي لازم الشيخ سنوات عديدة.

ويذكر الدكتور حسين في هذا الصدد أن أول مناظرات ديدات كانت مع السفير الإسرائيلي في جنوب أفريقيا في الستينيات، وكيف أن ديدات استطاع ببراعته ونباهته أن يهزم خصمه أمام حشد كبير من الحضور، وأن يفند حججه التوراتيه المزعومة فيما يتعلق بأرض الميعاد.

والأن والشيخ يرقد في منزله بديربان طريح الفراش وقد تجاوز عمره الثانية والثمانين فإن سنوات مرضه رغم ذلك لم تذهب بإحساسه بمسؤولياته أو شوقه لإتمام رسالته.

ويتواصل الشيخ ديدات مع زواره من خلال لوحة يختار منها الأحرف بحركات عينيه، وفي زيارتنا له آخر مرة طلب منا أن نقرأ على مسامعه فقرة من أحد الكتب، شوقا لسماع اللغة العربية. وعندما سألناه عن شعوره خصوصا بعد مرضه الطويل قال "إن نعمة الصحة والنطق قد لازمتني لخمسة وسبعين عاما، وإن الابتلاء بالمرض لم يمض عليه سوى ست سنوات، وإني أحمد لله على كل حال، فقد أنعم الله علي خلال مرضي بأن صرت أكثر إحساسا بالمشاعر الإنسانية، فأنا أضحك بيسر وأبكي بيسر".

المصدر : الجزيرة