في مقهى يقع بإحدى ساحات منطقة كرويتزبيرغ ببرلين بدأ الشاب التونسي علي حديثه قائلا "أعيش في برلين منذ نحو تسعة أشهر، وأنتحل الهوية السورية، وبالتالي الجنسية السورية، لم أعش بسوريا أبدا، كنت أعيش في جزيرة صقلية الإيطالية بشكل غير مشروع، وحينما سمعت عبر وسائل الإعلام بقدوم أفواج السوريين إلى ألمانيا بأعداد كبيرة جدا، قررت مع مجموعة من رفاقي التونسيين والمغاربة الشباب ترك الجزيرة الإيطالية والرحيل إلى ألمانيا عبر النمسا".

كانت رحلة علي مضنية ومتعبة جدا؛ فهو مريض بالسكري ويحتاج لإبر إنسولين يوميا، وغادر بلاده عقب ثورة تونس (عام 2011)، وكان لم يتعد 14 من العمر، واصطحبه في الرحلة رفيق له يكبره سنا.

لاحظ علي أن مرحلة تسجيل اللاجئين اتسمت بالفوضى، حيث الموظفون مغلوبون على أمرهم لجهلهم بالعربية، أما المترجمون فكانوا مصريين وعراقيين وقليلا من السوريين. ويقول علي "كالعديد من المغاربة تمكنت من انتحال الشخصية والهوية السورية من خلال إتقاني النسبي للهجة الشامية، التي تعرفت عليها في تونس من خلال المسلسلات السورية الكثيرة في البرامج التلفزيونية هناك، مثل مسلسل باب الحارة."

أما غيث -رفيق علي- فروى قصته قائلا "كنت في تركيا حيث شرعت في تعلم التجارة لدى تاجر تركي في مدينة إسطنبول، وهو صديق حميم لوالدي، وحينما شرع السوريون صيف السنة الماضية في عبور البحر الأبيض المتوسط نحو اليونان، قررت دخول المغامرة، واتصلت بالمهربين الذين وعدوني بالسفر بعد أن دفعت لهم تكاليف السفر".

السفارة التونسية في برلين تتابع أوضاع رعاياها (دويتشه فيلله)

يقيم علي وغيث حاليا في مأوى للقاصرين، وفي هذا المكان تعرفا على بعضهما البعض، وعلى شبان من المغرب وتونس والجزائر. يقول غيث إن الحظ كان من نصيبه في فترة التسجيل الأولى، مضيفا أن "الإدارة الألمانية لم تكن وقتها جاهزة لاستقبال الآلاف من اللاجئين السوريين، وهذا ما جعل انتحال الهوية السورية بالنسبة لي أمرا سهلا، وتمكنت من تقمصها بمهارة لدى الجهات الرسمية، حيث حاولت أن اصف ما سمعته عن الحرب كأني عايشت ذلك بأم عيني، كما حاولت التكلم باللهجة السورية".

المهددون بالترحيل
وبينما كان غيث يحكي لنا قصته مبتهجا، قال علي مبتسما "العديد من التونسيين والمغاربة الذين لم تنطل حيلهم على الدوائر الألمانية الرسمية تم رفض تسجيلهم كسوريين، وباتوا اليوم مهددين بالترحيل إلى أوطانهم، خاصة بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين ألمانيا والدول المغاربية.

القسم الأمني في السفارة التونسية ببرلين أقر بأن الإدارة التونسية على علم بوجود هذه الظاهرة في العاصمة برلين وفي مختلف البلدات والمدن الألمانية.

وقال مسؤول -لم يشأ الإفصاح عن هويته- "لدينا مجموعة كبيرة من التونسيين القاصرين يعيشون في مدينة لايبزغ، ومنهم من تم تسجيله هناك على أنه ليبي الجنسية، ومن انتحل الهوية السورية، إلى غير ذلك، إنهم يحاولون بطريقة أو بأخرى البقاء في ألمانيا".

جهل الموظفين الألمان باللهجات أتاح لشبان مغاربيين اقتناص فرصة اللجوء (دويتشه فيلله)

وتحدث المسؤول التونسي عن وجود تعاون فني بين الطرفين: الألماني والتونسي في هذا الصدد، مؤكدا أنه "بإمكان الدوائر الألمانية التعرف على الهويات الحقيقية لهؤلاء الشباب إلا أن القانون الألماني لا يسمح بإعادة القاصرين منهم إلى أوطانهم ما دامت حالتهم المدنية في أوطانهم غير واضحة، وزاد أنه "ستتم إعادتهم إلى أوطانهم حتما إذا لم يسهموا في الاندماج في المجتمع الألماني".

رأي السوريين
آراء السوريين إزاء هذا الموضوع واضحة وضوح الشمس؛ فالأغلبية من اللاجئين تمثل رأي علاء وعبد الله الشابين السوريين القادمين من دير الزور، كلاهما يرفض سوء استعمال الهوية السورية من قبل أشخاص لا علاقة لهم بسوريا لا من بعيد أو قريب؛ إذ يقول علاء "أنا مستاء من هذا التصرف من قبل الشبان المغاربة، إنهم يستغلون وضعنا الذي لا نُحسد عليه".

ويضيف علاء إن انتحال الهوية السورية من أي كان ليس عملا إنسانيا. ورغم أن قوانين منح اللجوء في ألمانيا لا تفرق بين جنسيات المضطهدين والملاحقين، فإن اللاجئ السوري علاء يرى أن "المساعدة الألمانية موجهة إلى السوريين فقط، وهي بالدرجة الأولى مساعدة إنسانية".

المصدر : دويتشه فيلله