على مرمى حجر من العاصمة الصربية بلغراد، تقع مجموعة من الثكنات العسكرية التي تحولت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى مخيم للاجئين، واحتضنت تلك الثكنات منذ ذلك الوقت لاجئين من الحرب اليوغسلافية، التي دارت رحاها في هذا البلد بين أعوام 1991 و1995، وحتى اللحظة لا يزال يقيم في المخيم -واسمه الرسمي "مركز لجوء كرنياشا"- نحو مئة لاجئ من صرب كرواتيا.

ومنذ الصيف الماضي، فتح المركز أبوابه مجددا للاجئين الذي قدموا إلى أوروبا من دول آسيوية وعربية، وحتى الآن يعيش اللاجئون الجدد في تفاهم ووئام مع اللاجئين القدامى.

يلا فوكسا لاجئة من صرب كرواتيا، تعيش في كرنياشا منذ أكثر من عشرين سنةً، وتمضي يومها في معاينة الحافلات التي تأتي إلى المخيم مملوءة باللاجئين، فتطل السيدة السبعينية، ذات الرداء الأزرق، من شرفتها وتقول "انظر، لقد وصلوا، هذه المجموعة فيها الكثير من الأطفال، آمل أن ينزلوهم في أحد الأبنية الجيدة".

تعلق يلا على قدوم الدفعة الجديدة قائلة "كل من يُجبر على ترك منزله يواجه حياة صعبة، كلنا في القارب نفسه، وأفهم وضعهم، في بعض الأحيان نكون جميعنا في حاجة للمساعدة".

من زغرب
تتذكر يلا وصولها إلى هذا المكان عام 1995، حيث لم تستطع التوقف عن البكاء، فقد فرت من بيتها في زغرب ومات أحد أبنائها أمام عينيها بسبب الغرغرينا بعد أن بتر انفجار قنبلة جزءا من ساقه.

بعد وصولها إلى هنا مع ابن آخر وابنتها وزوج ابنتها قضت يلا وقتها في أعمال العناية بالحديقة وتنظيف أرضيات أبنية المخيم، الذي كان يستخدم في الحقبة السوفياتية معتقلا للأعمال الإجبارية، ولم يستطع زوجها التكيف مع الحياة الجديدة كلاجئ، وتوفي بسكتة قلبية عام 2000.

عن ظروف موت زوجها تقول "حدث له شعور بالخجل، عندما رأى كيف دارت بنا الأيام، وأصبحنا لاجئين، لم يكن يريد أن تعيش عائلته مثل هذه الحياة، فأصيب بارتفاع في ضغط الدم". وتعكس يلا صور ذكرياتها على الواقع الحالي، وتضيف "أرى الألم نفسه في عيون اللاجئين العرب، ليس هناك من أب أو أم تريد رؤية أبنائها في وضع سيئ".

التعود
يعتني ابن يلا وابنتها وأطفالهما برعاية اللاجئة العجوز، فهم يزورونها ويزودونها أسبوعيا بالخبز والشاي والتفاح واحتياجات أخرى، عندما سألت لماذا لا تفعل مثلهم وتغادر المخيم إلى سكن المتقاعدين، أجابت بأنها تفضل البقاء في مكان تعودت عليه.

ليست يلا هي الوحيدة هناك، فقد أفاد منسق المخيم ميلوتين لوستش بأن الحكومة الصربية عملت على إسكان اللاجئين الذين أمضوا فترات طويلة في المخيم في شقق مدعومة من حكومة بلغراد، غير أن العديد منهم رفض ترك المخيم.

مركز لجوء كرنياشا من الداخل (دويتشه فيلله)

يقول لوستش "لا يرغبون في ترك المكان، لأن لديهم كل شيء هنا، إذا غادروا وجب عليهم تحمل نفقات كثيرة كالطعام ودفع الفواتير".

وأسهم رفض صرب كرواتيا مغادرة المكان في تشجيع السلطات على تجهيز أبنية جديدة لطالبي اللجوء الجدد الوافدين على دول الإتحاد الأوروبي؛ فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت لإيقاف تدفق اللاجئين من تركيا، يدخل يومياً إلى صربيا من مقدونيا وبلغاريا نحو مئتي طالب لجوء جدد، حسب أحد العاملين في إغاثة اللاجئين. ويقول إن معظم القادمين يدخلون صربيا ويغادرونها بواسطة شبكات تهريب البشر، حيث انتعشت سوقها بعد إغلاق طريق البلقان في وجههم.

يقول لوستش "واقع الحال يجبرنا على الجمع بين وضعنا كلاجئين في مخيم للجوء، وفي مخيم للعبور. يتقدم أقل من 1% بطلبات لجوء في صربيا، حيث يغادرون صربيا نهاية الأمر، قبل الانتهاء من دراسة طلباتهم والبت بها".

في سبيل مواجهة التطورات الجديدة، قامت إدارة المخيم بأعمال ترميم، بحيث أقيم هناك أكثر من ستمئة سرير للاجئين القدامى والجدد، وأثار المظهر الخارجي البراق لبعض الأبنية الجديدة شعور الغيرة لدى اللاجئين القدامى. وعلى هذا الأمر يعلق لوستش "الإحساس بالمرارة في غير محله؛ فهناك إصلاحات وأعمال ترميم للمظهر الخارجي، أما في الداخل فكل الأبنية متشابهة".

المصدر : دويتشه فيلله