بعد 11 عاما من وصوله روما، يجلس إلياس أبرهام أمام مبنى مهجور يسكنه طالبو لجوء من شرق أفريقيا، ولا يزال زيت التشحيم باديا على يديه، وهو يعدّ نفسه محظوظا، حيث إنه يعمل في ورشة تصليح سيارات مقابل 15 يوروا (17 دولاراً) في اليوم.
 
قبول اللجوء في إيطاليا لا يعني الحياة الكريمة؛ فهناك المئات ممن قُبلت طلباتهم غير أنهم يكافحون للعثور على عمل، ناهيك عن سكن لائق، حسبما يقول إلياس، الإريتري الأصل. ويضيف أنه "إذا لم تتحايل على القانون في إيطاليا سوف تموت جوعاً، ويجب على المرء أن يتلوى كالأفعى، حتى يستطيع البقاء على قيد الحياة".

هذا العام وصل أكثر من ثلاثين ألف طالب لجوء إلى إيطاليا، وفي يوم الجمعة وحده وصل 1800 شخص، وبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية سينضم الكثير من الوافدين الجدد -المقدر عددهم بعشرة آلاف- إلى من سبقهم للعيش في البنايات المهجورة الكثيرة التي لم تخصصها لهم الحكومة.

التناقضات في نظام استقبال اللاجئين في إيطاليا وثقها تقرير جديد لمنظمة أطباء بلا حدود، حمل عنوان: "خارج الرؤية - نظام فاشل لاستقبال اللاجئين".

يهربون
يقول رئيس فريق البحث جوزيبه دي مولا "من الناحية النظرية، يُفترض أن يبقى اللاجئون في مراكز الاستقبال الأولية لمدة ثلاثين يوماً، بيد أن العملية تستغرق لمعظم اللاجئين سنة أو سنة ونصف السنة؛ لذلك يهربون من المأوى".

وحسب التقرير، فمن بين 154 ألفاً، الذين هاجروا إلى إيطاليا العام الماضي، تقدم 84 ألفاً بطلبات لجوء، غير أن أقل من عشرين ألفاً منهم تم إدماجهم في برامج الاندماج الحكومية، حيث يتعلم فيها اللاجئ اللغة الإيطالية للمبتدئين، ويحصل على مساعدة للعثور على عمل.

لافتة على مبنى يضم لاجئين كتب عليها: نحن لاجئون ولسنا إرهابيين (دويتشه فيلله)

وبحسب تقديرات دي مولا، فإن المعضلة ليست فقط في القدرة الاستيعابية غير الكافية لمراكز الاستقبال، بل أيضاً في الثغرات الموجودة في الإجراءات الإدارية، وهذه الثغرات تربك اللاجئين وتتركهم بلا مصدر موثوق للمعلومات، إذ يسبب التقدم البطيء في دراسة طلبات اللجوء الإحباط للاجئين، وينتهي المطاف بالكثير منهم خارج مراكز الاستقبال بحثا عن عمل أو محاولة مغادرة إيطاليا، ولكنهم في أغلب الأحيان لا يحققون أيا من الأمرين.

قضية المهاجرين ليست جديدة في إيطاليا، ففي إطار البحث لإنجاز التقرير، أجرى دي مولا مقابلات مع أكثر من 550 ساكنا في أبنية غير شرعية، ووجد أن متوسط مدة الإقامة للساكن الواحد بلغت ست سنوات، وبناء على المعطيات التي جمعها، فقد وجد دي مولا أن الأسابيع الأولى لوصول اللاجئ تكون حاسمة، في ما يخص الاندماج، وهذه الأسابيع تكون لها تداعيات طويلة الأمد، وهي مشكلة لا بد من مواجهتها.

يقول روبيرتو فيفياني -أحد المتطوعين في فريق باوبوا لمساعدة المهاجرين- "هذا هو نظام الترحيب باللاجئين في إيطاليا؛ السلطات رفعت أيديها عن الأمر، وكل شخص يمضي لحاله ويتدبر أمره بنفسه".

الزقاق المهجور
يقف روبيرتو في الزقاق المهجور أمام خيمة الفريق التطوعي، التي اقتحمتها الشرطة السنة الفائتة، ويقول إن طالبي اللجوء الذين يمكثون في مراكز الاستقبال الحكومية ليسوا أفضل حالاً ممن يترك هذه المراكز.

ويقول روبيرتو أيضا إن السلطات "تضع طالبي اللجوء في مأوى اللجوء سنة، ولا يفعل اللاجئون فيها أي شيء غير التحديق في الجدران، ويمكنها أن تعلمهم أي شيء، أو تقدم لهم بعض الأعمال البسيطة، إن الطريقة التي تسير عليها الأمور تجبر طالبي اللجوء على أن يصبحوا جانحين".

وبعيداً عن مركز المدينة، وفي إحدى الضواحي المهجورة، التي تقع بين طريق سريع ومركز للتسوق، يقيم مولغيتا غافي، حيث يشكو اللاجئ ويتذمر من عدم تحقيقه إلا القليل من المكاسب منذ قدومه إلى إيطاليا قبل 14 عاماً.

يقول مولغيتا، الإثيوبي الذي يمتهن أي عمل يتاح له، "يقولون إن لدينا حقوقا، هذا صحيح، لدينا حق النوم في الشارع". وهو لا يتورع كذلك عن الحديث علناً وعلى رؤوس الأشهاد من أمام مبنى كانت تستخدمه الحكومة في ما مضى مكاتب رسمية، وحيث يعيش أكثر من ألف من شرق أفريقي.

يقول إن هذا المكان يمثل "رمزاً لسياسة الاندماج الفاشلة"، ويتساءل "لماذا لا يوجد هنا مأوى لجوء؟ فلدينا في أفريقيا مأوى للاجئين، لا أستوعب لماذا يبقونا في مثل هذه الأماكن.

المصدر : دويتشه فيلله