أعاد حادث غرق نحو خمسمئة شخص في المتوسط أواسط أبريل/ نيسان الماضي إلى الواجهة مجددا موضوع شبكات تهريب البشر الناشطة على السواحل الليبية، والتي تزايد نفوذها منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي وغرق البلاد في الفوضى. واتسعت خطورة هذه الشبكات بعد استعصاء طريق الهجرة من تركيا إلى أوروبا عبر اليونان بعد الاتفاق التركي الأوروبي المثير للجدل.

ومعلوم أن مئات الآلاف من المهاجرين موجودون حاليا على الأرض الليبية بدون وثائق هوية. وقد استقر بعضهم في البلد للعمل بينما يسعى آخرون إلى عبور المتوسط إلى أوروبا. في حين تتحكم بتدفقات اللاجئين شبكات تهريب ذات نفوذ مرتبطة بالجماعات المسلحة الكثيرة.

ويقول الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان-فرع ليبيا عبد المنعم الحر إن تزايد نفوذ هذه الشبكات يعود أساسا للفوضى التي تغرق فيها البلاد، بالإضافة إلى عدم وجود إرادة سياسية كافية سواء لدى السلطات الليبية أو المجتمع الدولي لإيقاف هذه الظاهرة.

عن ظروف رحلته التي رتبها المهربون يقول خليل: قضينا آخر يومين قبل الإبحار في مكان أشبه بحظيرة دون أكل وماء. كل ما تم تزويدنا به هو قنينة ماء واحدة لكل شخص طيلة اليومين. وكل من يعترض على أوامر المهربين يتعرض للضرب والشتم والإهانة كما يصبح ممنوعا منعا باتا من التراجع عن قرار ركوب البحر، فإما المضي في قرار الهجرة أو الموت، ويبرر المهربون ذلك بالخوف من أن تنفضح هوياتهم للأمن من طرف كل مهاجر يعدل عن قراره

تجربة خليل
وحتى قبل إغلاق طريق البلقان، كان عدد من اللاجئين من سوريا يتخذ السواحل الليبية نقطة انطلاق نحو أوروبا، مثل خليل الشاب الفلسطيني الذي وصل ألمانيا منذ يوليو/ تموز الماضي لاجئا.

كان خليل يعيش في مخيم اليرموك القريب من دمشق، وجاء إلى ألمانيا عن طريق ليبيا لأنه لم يكن بإمكانه دخول تركيا كفلسطيني. وهو يقول إن "المرور على دمشق لم يكن ممكنا أيضا لأني كنت مطلوبا للخدمة العسكرية، وبالتالي لم يكن أمامي سوى الهرب إلى ليبيا من هناك إلى أوروبا".

انتقل خليل من سوريا إلى لبنان ثم إلى عَمان ومن هناك إلى طرابلس، وفيها لم يكن من الصعب الوصول إلى مهربين، كما يقول الشاب الفلسطيني "بمجرد أن يلاحظوا هناك أنك غريب وتتحدث لغة أو لهجة مختلفة يأتون إليك، ويسألونك إن كنت تبحث عن مهربين".

وهكذا وجد خليل نفسه في مدينة زوارة الليبية التي تبعد عن سواحل إيطاليا بحوالي 150 ميلا بحريا. وهناك بدأت المعاناة كما يرويها: تنقلنا بين حوالي تسعة مهربين. أحدهم يبيع سترات النجاة وآخر يوفر مكان المبيت وثالث يأتي بالقارب، وهكذا دواليك. لقد "كانوا شبكة مهربين يتعاملون مع بعضهم بعضا".

وعن ظروف رحلته التي رتبها المهربون، يقول "قضينا آخر يومين قبل الإبحار في مكان أشبه بحظيرة دون أكل وماء. كل ما تم تزويدنا به هو قنينة ماء واحدة لكل شخص طيلة اليومين. وكل من يعترض على أوامر المهربين يتعرض للضرب والشتم والإهانة، كما يصبح ممنوعا منعا باتا من التراجع عن قرار ركوب البحر، فإما المضي في قرار الهجرة أو الموت، ويبرر المهربون ذلك بالخوف من أن تنفضح هوياتهم للأمن من طرف كل مهاجر يعدل عن قراره". لكن الخبير الليبي "الحر" يقول إن هؤلاء المهربين يكاد يعرفهم كل الليبيين.

مليون ونصف
وبالإضافة إلى السوريين الهاربين من ويلات الحرب في بلادهم، تستقطب السواحل الليبية مهاجري شمال أفريقيا ودول جنوب الصحراء. وتقدر السلطات الإيطالية العدد المؤهل للهجرة منهم إلى أوروبا من ليبيا وحدها بـ1.5 مليون مهاجر.

وعن وجود منظمات تحمي المهاجرين أو تقدم لهم المساعدة، يقول الخبير الليبي "هناك بالفعل منظمات على الأرض تقدم مساعدات من قبيل توفير بعض خدمات الرعاية والنظافة، كما أنها تقوم بمراقبة توفر أدنى شروط الحياة في هذه المراكز". لكن الحر يلاحظ أن تلك المنظمات "في النهاية لا سلطة لها، وبالتالي لا تؤخذ توصياتها وملاحظاتها بعين الاعتبار لأن من يشرف على هذه المراكز ليس لديهم إلمام أصلا بثقافة حقوق المهاجرين".

يستحضر خليل رحلة هروبه الشاقة عبر واحدة من أخطر طرق الهجرة إلى أوروبا. ويقول إنه وبعدما دفع 1500 دولار للمهربين، فرضوا عليه وعلى من كانوا معه التكدس فوق بعضهم البعض في القارب الذي لم يكن يتسع لهم جميعا.

وكالعادة، كل من يعترض على ذلك يتعرض للضرب والإهانة، وبعد ست ساعات من الإبحار ضاع القارب الذي كان يقوده أحد المهاجرين الأفارقة وسط البحر، ثم بدأ بالغرق، وأنقذ خفر السواحل الإيطالي عددا من المهاجرين بينما توفي آخرون منهم فلسطيني وثلاثة سوريين وخمسة من الشباب الأفارقة. عندها اكتشف خليل أن القارب الذي قيل لهم إنه يستوعب أربعمئة شخص كان في الواقع على متنه 669 آدميا.

المصدر : دويتشه فيلله