في مقر الصليب الأحمر بحي فيدنغ ببرلين ينكب الألماني يوناس (26 عاما) على ملء استمارة معلومات عن حياته الشخصية للانضمام إلى جمعية "فيدينغ هيلفت"، وهي هيئة خيرية تقوم بتعريف طالبي اللجوء بالمتطوعين الراغبين في رعايتهم.

إينا التي تساعد يوناس في ملء الاستمارة هي بدورها متطوعة لدى جمعية "فيدينغ هيلفت"، وترعى عائلة سورية تضم طفلين.

تسأل إينا الشاب عن دوافعه وراء الانخراط في مساعدة اللاجئين، ثم تطرح عليه سؤال آخر: "في رأيك، ماذا ستحقق بعد ستة أشهر من تبنيك لاجئا؟" يتردد يوناس للحظات ثم يجيب: "الانفتاح على الآخرين هو باعتقادي عمل إيجابي"، و"أرغب في تعريف اللاجئ بألمانيا". ثم يختتم قائلا إنه يريد في المقابل أن يتعرف "على العالم من خلال نظرته هو له"، أي اللاجئ.

تدوّن إينا كل ما قاله يوناس في استمارة المعلومات، لتسهيل عثوره على اللاجئ المناسب له،
وتمكنت "فيدينغ هيلفت" من استقبال أكثر من خمسين لاجئا يبحثون عن متطوِّعين يتولون رعايتهم. وفي المقابل، اتصل نحوالي عشرين متطوعاً بالجمعية، وتم بالفعل إبرام تسعة عقود رعاية، والعدد مرشح للارتفاع.

محاولة
أما إينا فتسهب في الحديث عن تنقل متطوعي "فيدينغ هيلفت" من مخيم لجوء إلى لآخر لتسهيل ربط العائلات بالمتطوعين، وتؤكد كذلك أن انخراطها في العمل التطوعي "هو محاولة مني للمحافظة على ما تبقى من ثقافة الترحيب".

منذ الصيف الماضي تغيرت بالفعل أمور كثيرة في ألمانيا؛ وقتها شاهد العالم صور آلاف الألمان وهم يستقبلون لاجئين في محطات القطار ومخيمات اللجوء رافعين لافتات كتب عليها بالإنجليزية "مرحبا باللاجئين"، لكن اليوم -وبعد مضي ستة أشهر- يبدو أن الترحيب الألماني صار مشهدا من الماضي.

فقد فجرت مظاهرات حركة بيغيدا اليمينية المتطرفة جدلا سياسيا حول اللاجئين، وتفاقم الموقف مع تزايد عمليات إحراق مراكز لجوء والاعتداءات التي رافقتها على لاجئين في هايدنوا وفرايتال وكلاوسنيتز، ومؤخرا في مدينة باوتزن.

إينا تساعد اللاجئين في العثور على متطوعين لرعايتهم (دويتشه فيلله)

وفاقم الموقف ما حدث في باريس وبروكسل من هجمات، إلى جانب الاعتداءات الجنسية لمهاجرين شباب في رأس السنة في كولونيا؛ وخلفت هذه الحوادث مجتمعة آثارا سلبية على الطرفين.

فهل يعني ذلك أن ثقافة الترحيب في ألمانيا تقترب من نهايتها؟ وهل شارف المناخ السياسي في ألمانيا على التغير مثلما حدث في البلدان المجاورة؟

الآراء تتباين بشأن الموضوع؛ يقول عمدة مدينة لايبزغ بوركهاردت يونغ لموقع الكاثوليكيين الألمان مطلع هذا الشهر "أكاد لا أستطيع تحمل ما حصل في مقاطعة سكسونيا، وهذا الأمر ينطبق على مدينتي أيضا".

في المقابل، أقرّ غيورغ كريمر رئيس الجمعية الكاثوليكية الخيرية "كاريتاس" في حوار أجرته معه صحيفة "تاتس" بوجود "استعداد كبير لقبول اللاجئين، وفي المقابل كانت هناك رغبة عالية لصد كل ما هو غريب".

ويضيف "لا يزال هناك إقبال كبير على مساعدة اللاجئين تماما كما كان عليه الوضع في الصيف الماضي، بيد أن الإعلام ركز تغطيته في البداية بشكل أحادي على ثقافة الترحيب، بينما ينصب التركيز اليوم أكثر على الأحداث المرعبة".

جمعية "موابيت هيلفت" البرلينية هي الأخرى تعاني من هذا الأمر؛ إذ أطلقت الجمعية في رسالة مفتوحة نداء استغاثة، وجاء فيها: "متطوعو موابيت هيلفت صاروا ضحية لكافة أشكال الشتم والتهديدات من طرف النازيين الجدد". لكن الأمر لا يقتصر في الأغلب فقط على التهديدات؛ ففي مدينة براندنبورغ -القريبة من برلين- تعرضت حافلة زوجين يعملان على مساعدة اللاجئين إلى الحرق.

هجوم بالحجارة
وفي مقاطعة "سكسونيا أَنْهَالْت" تم الهجوم على موظفي الجمعية الإغاثية التقنية بالحجارة أمام مخيم لإيواء اللاجئين.

هذا ما دفع المستشارة أنجيلا ميركل إلى دعوة ممثلين عن جمعيات خيرية إلى مقر المستشارية ببرلين وتحدثت معهم عما يشغلهم، وقالت إن مهمة اندماج الوافدين الجدد يجب أن تأخذ وزنا أكبر الآن، في ظل تراجع دخول اللاجئين إلى ألمانيا.

دعوة ميركل للتركيز أكثر على اندماج اللاجئين هي رسالة شكر لجهود متطوعي "فيدينغ هيلفت"، لكن المساعِدة إينا طالبت أيضا بمزيد من الحماية من اعتداءات اليمين، وتقول إنّ من يرغب في الإدماج والترحيب عليه ألا ينسى أيضا المتطوعين.

المصدر : دويتشه فيلله