حركة غير اعتيادية أمام مكتب حجوزات الخطوط الجوية العراقية في مطار "تيغل" ببرلين. عشرات اللاجئين العراقيين ينتظرون في طوابير طويلة استلام تذاكرهم وجوازات سفرهم من مكتب الحجوزات، تحت أعين رجال الشرطة. حيرة وتوتر تخيم على الوجوه، فإجراءات العودة لم تكتمل بعد، إذ بعد استلام التذاكر والجوازات عليهم تسجيل خروجهم لدى الشرطة الاتحادية.

تتباين دوافع هؤلاء للتخلي عن حلم اللجوء والاستقرار في ألمانيا، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية هي: بطء إجراءات اللجوء، وصعوبة الحصول على تصريح الإقامة ولم شمل الأسر.

ناجح المرزوقي (55 عاماً) وصل قبل أربعة أشهر عبر ما يسمى بـ"طريق البلقان"، في رحلة شاقة كلفته 24 ألف دولار. يقول "اعتقدت أن حياتي ستكون أفضل في ألمانيا، ولكنني فوجئت بالعكس. أنا محبط لأنني لم أجد راحتي النفسية في هذا البلد".

يبدو المرزوقي كذلك حازما في موقفه الرافض لمزيد من الانتظار. فكل ما يريده الآن هو العودة إلى العراق. أما الأسباب التي دفعت به لاتخاذ مثل هذا القرار رغم الكلفة المادية العالية لمغامرة اللجوء والمشقة التي رافقتها فيلخصها بالقول "اضطررت لتغيير مخيمات اللجوء أكثر من مرة، كما أني تقاسمت غرفة صغيرة مع لاجئين آخرين غرباء. الخدمات الاجتماعية سيئة جداً، كالأكل والشرب والملبس. علاوة على ذلك، لم نحصل على مساعدات مالية من الحكومة. لقد صرفت الكثير من الأموال هنا، وهذا يكفي".

سبب الإصرار
خيبة أمل المرزوقي كبيرة، وهو ليس وحده في هذا المضمار. فالشاب الثلاثيني محمد محسن نفد  صبره من حياة اللجوء. وهو ينتظر أمام مكتب الشرطة لإتمام إجراءات العودة. يلخص محمد سبب إصراره على قراره الجديد في أن العراقيين لا يحق لهم الحصول على حق الإقامة، ولا حق لم الشمل. ويضيف "إجراءات اللجوء بطيئة جداً هنا. كثير من العراقيين ينتظر منذ خمس سنوات استلام أوراقهم، لا أريد أن أنتظر أكثر".

زحام اللاجئين داخل وخارج مراكز الاستقبال (الجزيرة-أرشيف)

اللاجئات العراقيات لم يغبن بدورهن عن طابور الرافضين للانتظار، فقبل ستة أشهر قدمت ليلى مجيد من مدينة الموصل إلى ألمانيا هاربة مع 30 فردا من عائلتها من بطش تنظيم الدولة الإسلامية، ولجوء ليلى كان له ما يبرره، فقد دُمر بيتها في الموصل وقتل أخوها، واضطرت لبيع سيارتها حتى تتمكن من دفع تكاليف رحلتها.

عن معاناتها داخل ألمانيا تقول "ما عشته هنا في ألمانيا مأساة حقيقية لن أنساها ما حييت. عشنا أياما وليالي دون طعام أو شراب، وعوملنا معاملة سيئة. صحيح أن ألمانيا فتحت باب اللجوء أمامنا، ولكنها لم تستقبلنا استقبالا حسنا. ألمانيا دمرت حياتنا".

تريد ليلى مجيد أن تستقر في أربيل، شمال العراق، وتعلل ذلك بالقول "ما عساني فاعلة الآن؟ مهما يكن يبق العراق وطني، وليس هناك أفضل منه. ندمت على فراقه وعلى قدومي إلى هنا".

أمام مكتب الحجوزات يقف الموظف لدى الخطوط العراقية حميد مجيد، هاتفه المحمول لا يتوقف لحظة عن الرنين. يتصل به لاجئون لحجز التذاكر، فيقوم على الفور بإدخال بياناتهم في جهازه المحمول، ثم يتلقى اتصالا آخر من السفارة العراقية يخبره بأن المزيد من اللاجئين العراقيين في طريقهم إليه، فيقوم بإشعار سلطات المطار بسرعة.

يقول حميد "لقد حجزت اليوم 92 تذكرة، ومنذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أحجز تذاكر بمعدل 80 تذكرة أسبوعيا، أغلبهم للاجئين"، مضيفا أن المعلومات المتوفرة لديه تفيد بأن السفارة العراقية أصدرت في الأشهر الثلاثة الماضية حوالي 1400 جواز سفر للاجئين عراقيين يرغبون بالعودة نهائيا إلى العراق.

اضطرار للاستدانة
يبلغ سعر التذكرة الواحدة من برلين إلى بغداد حوالي 300 يورو، يدفعه بعض اللاجئين نقداً، بينما يضطر البعض الآخر للاستدانة. لكن بعض مكاتب السفر تقبل أيضاً المجوهرات عوض الأموال، كمكتب الخليج لصاحبه الألماني من أصول لبنانية علاء حدوس.

يقول حدوس إنه يتعمد سؤال اللاجئين العراقيين كل مرة يأتون إليّ عن سبب عودتهم، فيجيبون بأنه كان لديهم تصور آخر عن ألمانيا. فالانتظار الطويل للحصول على أوراق إقامة لم يكن في حسابهم وكذلك النوم في مخيمات لجوء.

لكن حدوس يستغرب قرار هؤلاء، نظرا لأن غالبيتهم عانوا من الحرب أو أثناء رحلة اللجوء الشاقة، لذا يرى أنه كان يجدر بهم التحلي بالصبر أكثر "حتى يتعرفوا على الوجه الحقيقي لألمانيا".

المصدر : دويتشه فيلله