كمال شيخو-إزمير

عقب وصول منى إلى مدينة إزمير (غرب تركيا)، بحثت عن مهرّب لينقلها إلى اليونان، وكان برفقتها ابنها وليد (16 عاما) وابنتها شام (12 عاما)، وتركت ابنتها البكر في المنزل.

قرار السفر اتخذته في ليلة واحدة دون أن تكترث للمسافة الطويلة التي ستقطعها، حيث إنها منحدرة من مدينة درعا (جنوب سوريا) ومهد ثورتها.

الطريق إلى إزمير استغرق قرابة 72 ساعة، اجتازته وهي تنتقل من وسيلة نقل إلى أخرى. وفي المدينة التركية سارعت إلى الاتصال بالأصدقاء والمعارف أملا في الحصول على هاتف "مهرب مضمون"، فهي تعلم أن عائلات سورية كثيرة تعرضت لعمليات نصب واحتيال.

وكان عليها إنجاز مهمة ثانية، فبعد الاتفاق مع المهرّب يجب أن تضع المال عند طرف ثالث، أو مكتب وسيط، حتى تصل إلى إحدى جزر اليونان.

عند لقائها بالجزيرة نت تحدثت منى عن استمرار المعارك منذ أربعة سنوات في محيط درعا، مما حولها لمدينة محاصرة أو محظورة، كما تضرر الاقتصاد، وارتفعت الأسعار بشكل هائل.

وعن قرارها ركوب قوارب الموت والسفر عبر البحر نحو المجهول، قالت بكل ثقة "رغم خطر الموت أُفضّل المغامرة بين الأمواج العالية على البقاء بين فكّي كماشة الحرب وطغيان نظام الأسد".

نصف السكان

حال عائلة منى كحال نصف سكان سوريا الذين فروا جراء القتال، مع تلاشي الأمل عندها وعند غيرها بنهاية قريبة للحرب.

عائلة سورية في إزمير بانتظار ترتيب هجرتها إلى أوروبا عبر قوارب المهربين (الجزيرة)
فنحو ثمانية ملايين مشردا ولاجئا داخل البلاد، كما غادرها أربعة ملايين قصدوا دول الجوار، لكن آمال قرب انتهاء الحرب تلاشت عندها وعند الكثيرين.

بعد عناء البحث عن مهرب موثوق، اتصلت أخيراً بشخص يدعى "أبو صقر" -وهو اسم مستعار- طلبت أن تلتقيه على الفور، وفي النقطة المحددة التقيا بعد دقائق، وبدأت تفاوضه على السعر، طلب منها بدايةً 4500 دولار على أن يأخذ 1500 دولار عن كل راكب، لكنها لم تستجب لطلبه، وفاوضته مجدداً وأقنعته بـ 3800 دولار، أي 1200 دولار للشخص تقريبا، وهو السعر الرائج لكل من يسافر عبر هذه القوارب.

بعد الاتفاق مع المهرب، وضعت منى المبلغ عند شركة وساطة كطرف ثالث في الصفقة، وهذا هو العرف السائد في إزمير. ولقاء ذلك يحصل المكتب على خمسين دولارا عن كل راكب، ويعطي المسافر رقما سريا، بعد وصوله يرسل الإشعار إلى المهرب، كي يقبض المال بدوره.

سيارة مغلقة
تروي منى كيف أن سيارة مغلقة جاءت إلى ساحة بصمنة وأقلتها مع عائلات من جنسيات مختلفة، وذكرت أنها "تشبه سيارة الشرطة (البوكس)، كأنهم يأخذوننا إلى السجن أو مكان للاحتجاز".

بعد ساعتين وصلوا إلى نقطة انطلاق المركب، وكان الجميع يشعر بالخوف والقلق من الفشل وليس من الغرق، وركب أربعون مسافرا في المركب وانطلق في عرض البحر.

بعدها، أكملت منى رواية قصتها للجزيرة نت عبر رسائل الجوال، فكلما تسنت لها الفرصة كانت ترسل رسالة نصية تصف فيها الرحلة وحال عائلتها، حيث قالت "كنا مرعوبين، وكانت بنتي شام أكثرنا خوفا، والسائق بداية لم يستطع تحديد موقع الجزيرة المراد التوجه إليها"، إلى أن ساعدهم أحد الركاب ممن يملكون جهاز "GPS".

وتابعت "بعد ساعتين من السفر قطعنا المياه الإقليمية، وكنا قريبين من جزيرة كوس اليونانية". وأضافت أن "الناس اطمأنوا عندما شاهدوا خفر السواحل اليوناني، وألقوا لنا قناني الماء ووجهوا سائق المركب، للوصول إلى الشاطئ بأمان". وأنهت حديثها قائلة "وصلنا إلى الجزيرة وهي نهاية رحلة وبداية رحلة جديدة".

المصدر : الجزيرة