تحرك الاتحاد الأوروبي للتصدي لشبكات التهريب بعد الضجة التي أثارها العثور على جثث 71 لاجئا بالنمسا داخل شاحنة والعثور على لاجئين أحياء داخل أخرى. ثلاث دول شكلت قوة تدخل للحد من تغول سوق تصل موازنته إلى سبعة مليارات يورو.

محمد عيادي

أعاد تدفق اللاجئين إلى أوروبا وحادثتا الشاحنتين اللتين وجدتهما الشرطة النمساوية في 27 و29 أغسطس/آب الماضي تسليط الضوء وبقوة على جريمة تهريب البشر وعلى مسؤولية المهربين عن مضاعفة مأساة اللاجئين والمصير المجهول والغامض لبعضهم.

ودفعت الحادثتان الاتحاد الأوروبي للتعامل الصارم مع هذه الجريمة، وترجمة وعوده وتعهداته إلى إجراءات عملية.

وفي هذا السياق، عجلت كل من ألمانيا وسويسرا وإيطاليا بتطبيق فكرة كانت الدول الثلاث قد اتفقت سابقا عليها، وتتلخص بتشكيل قوة مشتركة لمحاربة شبكات تهريب البشر إلى أوروبا وتفكيكها.

وفي السياق ذاته، اتفق وزيرا داخلية كل من فرنسا وبريطانيا في 20 أغسطس/آب الماضي على محاربة شبكات المهربين ومحاصرتها. وتمت الإشارة بعد لقاء الوزيرين إلى أنه تم تفكيك 19 شبكة لتهريب البشر في منطقة كاليه شمال فرنسا على الحدود مع بريطانيا حيث يوجد آلاف اللاجئين.

صورة وزعتها البحرية الفرنسية لأفراد من وحدة تريتون على متن قارب يقل لاجئين (الأوروبية)

تريتون
وكانت 21 دولة من دول الاتحاد الأوروبي قد بدأت العام الماضي بتسيير دوريات بحرية في عرض البحر الأبيض المتوسط في إطار عملية تشرف عليها هيئة الحدود الأوروبية (فرونتكس) وأطلق عليها اسم "تريتون".

غير أن الاتحاد الأوروبي أعلن هذه المرة استعداده للانتقال إلى الهجوم في أعماق البحار لملاحقة شبكات التهريب والاتجار في البشر التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي لاصطياد ضحايا ونشر الإعلانات والقيام بالدعاية لرحلاتها المتعددة الاتجاهات.

وتصل عائدات تهريب البشر إلى سبعة مليارات دولار، تجنيها عصابات التهريب سنويا حسب تقدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة.

وقال المكتب في التقرير الذي كشف عنه مؤخرا أن هذه الحصيلة المادية الضخمة تشمل مسارين رئيسيين:

الأول من أفريقيا باتجاه أوروبا، والثاني من جنوب القارة الأفريقية إلى أميركا. 

وتشير بعض الأرقام إلى أنه يتم سنويا تهريب قرابة 55 ألف مهاجر أو لاجئ من شرق وشمال أفريقيا أو غربها إلى أوروبا، ويقدر عائدها على المهربين بـ150 مليون دولار.

ولا يعبأ المهربون -بعد أن يتقاضوا مبالغ طائلة من اللاجئين أو المهاجرين- بظروف الرحلة وشروط السلامة والأمان، بل يتعاملون معهم كفرائس أو قطعان ماشية، ويركبونهم في الأغلب في قوارب مكتظة غير مجهزة لمواجهة الطوارئ لا تتيح لهم عمليا فرصة الوصول إلى وجهتهم.

لاجئون سوريون وإريتريون عند وصولهم لمعسكر اللجوء بجزيرة لامبيدوزا الإيطالية (الجزيرة)

وفي بعض الأحيان يوجه المهربون ضحاياهم للسير في الصحارى أو بجانب السكك الحديدية لمسافات طويلة، أو يشحنونهم في حاويات قد يموتون داخلها اختناقا.

ستة آلاف يورو
وتصل تكلفة الرحلة من تركيا إلى ألمانيا مثلا إلى ستة آلاف يورو، وتتم من خلال شبكة وسطاء محليين ومالكي سفن وغيرهم.

وذكر تقرير حديث لمنظمة الهجرة الدولية أن أربعين ألف شخص لقوا حتفهم عام 2014 منهم ثلاثة آلاف غرقوا في البحر وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا.

ولم تحصل متابعات لصعوبة الوصول إلى الجناة المنخرطين في اقتصاد مافيوي يصعب معه تحديد المسؤولية، وهو الأمر الذي يتطلب برأي مدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة يوري فدوتوف تقوية التعاون الدولي لمواجهة هذا النوع من الجريمة المنظمة العابرة للقارات.

يشار إلى أنه يتم بين حين وآخر تفكيك بعض الشبكات كما حصل في بداية أغسطس/آب الماضي في بلدة كاليه شمال فرنسا مع شبكة تهريب ألبانية، وقبل سنتين وفي نهاية يناير/كانون الثاني 2013 تم تفكيك شبكة تهريب كبيرة، واعتقل 103 مشتبه بهم في كل أوروبا، في واحدة من أكبر عمليات الشرطة الأوروبية ضد تهريب البشر.

كما قامت البحرية الإيطالية -خاصة في السنة الأخيرة- بعمليات ضد المهربين واعتقلت بعضهم، وأنقذت غير مرة مئات المهاجرين من الغرق في البحر المتوسط.

كما أوقفت البحرية الإيطالية في إطار عمليتها المعروفة بـ"مارنوستروم-بحرنا" عشرات قوارب التهريب، لكن كل ذلك لم يستطع أن يحدث تحولا نوعيا يحاصر جريمة تهريب البشر وما يكتنفها من انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان ويشل نشاط عصاباتها التي باتت تشكل مصدر قلق ليس لدول الغرب (المقصد) فقط بل  لدول المصدر والعبور أيضا.

المصدر : الجزيرة