تعد ألمانيا قبلة اللاجئين الأولى في أوروبا، وهي حاليا في حالة استنفار لاستقبالهم وإيوائهم تمهيدا لبدء إجراءات تسجيلهم والبحث في منحهم حق اللجوء. لكن مراكز الاستقبال الألمانية تشهد هذه الأيام ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في اختفاء لاجئين من مراكز الاستقبال قبل أن يبدؤوا بإجراءات التسجيل.

وهو ما أوقع الأجهزة المعنية في حيرة نظرا للاحتمالات المتعددة التي قد تكون دفعت المختفين لمغادرة مراكز الاستقبال.

ولاحظت صحيفة "أوسنابروكر تسايتونغ" ارتفاعا غير طبيعي في عدد المختفين في ولاية سكسونيا السفلى في الأيام القليلة الماضية. وقدرتهم بنحو سبعمئة من أصل أربعة آلاف طالب لجوء تم استقبالهم مؤخرا في مراكز الولاية. وكثير منهم لم يسجل نفسه حتى، وهي الخطوة الأولى  والأساسية لبدء إجراءات اللجوء.

وأعربت السلطات الألمانية في الولاية -التي استقبلت عدد لاجئين أعلى من معدلها الاعتيادي- عن جهلها بهوية المختفين أو الجهة التي قصدوها وأين ذهبوا. علما أن الظاهرة ذاتها تشمل حاليا العديد من مراكز الاستقبال في جميع أنحاء البلاد.

وفي هذا الصدد يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية في ولاية ساكسونيا السفلى ماتياس آيشلر إن "للاجئين الحق في التحرك بحرية ومغادرة أماكن الإقامة. وهو ما يصعّب على السلطات تحديد الأشخاص الذين شقوا طريقهم لأماكن أخرى".

مركز إيواء مؤقت للاجئين في ألمانيا (دويتشه فيلله)

فقدان السيطرة
ومع ذلك فإن قضية اختفاء اللاجئين أصبحت مصدرا لضجة كبيرة في ألمانيا، لأنها تعتبر مؤشرا على "فقدان الدولة للسيطرة" على موضوع اللاجئين، كما يقول الخبير في شؤون الهجرة بجامعة أوسنابروك يوشن أولتمر.

وكان وزير الداخلية الألماني توماس دي مايزيير قد اشتكى بدوره قبل نحو شهر من هذه الظاهرة قائلا إن بعض اللاجئين "يعتقدون أن باستطاعتهم تسجيل أنفسهم في المكان الذي يريدون، يغادرون بعض مراكز الاستقبال ويركبون سيارة أجرة، يبدو أن لديهم الكثير من المال لدفع تكلفة الطريق لمئات الكيلومترات عبر ألمانيا". ووصف العدد الكبير من اللاجئين غير المسجلين بالـ"المشكلة الخطيرة".

وحسب الوضع القانوني في ألمانيا يتوجب على طالبي اللجوء تسجيل أنفسهم لدى السلطات المعنية، مباشرة بعد وصولهم للأراضي الألمانية. ولكن الأمر يختلف على أرض الواقع، فمنذ عدة أسابيع يعبر آلاف اللاجئين الحدود والسلطات تجد صعوبة كبيرة في تسجيلهم.

ويقول الخبير بشؤون الهجرة أولتمر في هذا الصدد "اللاجئون لا يتركون لنا أي خبر، ونحن لا نعرف لماذا يغادرون". ويضيف أن دوافع المغادرين "تبقى مجرد تكهنات فقط، فربما لا يريد اللاجئون البقاء في المناطق الريفية، التي عادة ما يتم نقلهم إليها في البداية. أو ربما يذهبون إلى أماكن أخرى، حيث يعيش أقاربهم وأصدقاؤهم في ألمانيا، أو في اتجاه بعض المناطق التي يرونها أكثر جاذبية، وربما يتجهون لبلدان أخرى، مثل الدول الإسكندنافية.

من جهتها تقول إديث أفرام من المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين "ليس هناك قانون يمنع اللاجئين من مغادرة مركز الاستقبال". وحتى العاملون في الأجهزة الأمنية في مراكز الاستقبال لا يستطيعون منعهم من المغادرة.

خبراء دعوا إلى تعريف اللاجئين بمكان وجودهم في ألمانيا (دويتشه فيلله)

لكن الخبير أولتمر يلقي -في إطار تحليله للظاهرة- اللائمة على نظام توزيع اللاجئين في ألمانيا "لأنه يصعب عملية الاندماج ويعيق إمكانية توفر اللاجئين على شبكات اجتماعية". ويضيف الخبير قائلا إن طالبي اللجوء في حاجة كبيرة لأن يكونوا قريبين من أصدقائهم وأقاربهم القاطنين في ألمانيا لوقت أطول، إذ يمكن أن يساعدوهم في التعامل مع السلطات وتسهيل عملية اندماج الوافدين الجدد واستقرارهم في ألمانيا. ويستبعد أولتمر أن يشكل اختفاء اللاجئين مشاكل أمنية، مضيفا أن معظمهم لم يتهرب من عملية التسجيل عمدا.

توجيه
ثمة فرضية ثالثة لأسباب الاختفاء يطرحها المتحدث باسم مدينة ديلمن هورست وملخصها أن بعض اللاجئين الجدد، لا يعرفون بالضبط مكان تواجدهم في ألمانيا. وهو يطالب السلطات بتعليق خرائط ألمانيا في مراكز الاستقبال، لتوجيه اللاجئين.

وفي إطار الحلول المقترحة لتلك المعضلة غير المسبوقة يدعو الخبير في شؤون الهجرة أولتمر إلى تسريع عملية التسجيل بما يضمن مصلحة جميع الأطراف، فهكذا تستعيد الدولة سيطرتها ويحصل اللاجئون على معلومات واضحة عن وضعهم المستقبلي، كما يعطي ذلك السلطات أساسا أفضل للتخطيط.

المصدر : دويتشه فيلله