المشهد في حديقة بلغراد العامة يتكرر يوميا، لاجئون يتجمعون بالمئات في الحديقة القريبة من المحطة الرئيسية. مما أحال المكان لمنطقة تجمع وسفر اللاجئين الرئيسية عبر "طريق البلقان". شباب وفتية من أفغانستان يلعبون كرة القدم في ساحة الحديقة. أحدهم فتى رشيق يرتدي سترة حمراء، ويبدو أنه يستمتع بلعب كرة القدم، حيث يقفز ويضحك وكأنه لا يحمل أي هم يشغله في حياته، في حين أن الفتى -واسمه عتيق- مر بظروف صعبة أثناء رحلته الطويلة قبل الوصول إلى محطته الحالية في صربيا.

عتيق كان في الواقع سعيد الحظ، لأنه صادف بعض اللاجئين الأفغان الذين ساعدوه كثيرا أثناء الرحلة. وفي مروره بمقدونيا التقى بناصر الذي رافقه وأصبح بمثابة أخ كبير له.

يحكي عتيق قصته قائلا "عائلتي في أفغانستان، الحرب هناك مستمرة ولا يمكننا الذهاب للمدرسة، لذلك أرسلتني عائلتي لأوروبا كي أطلب اللجوء". وعندما سئل عن عمره أجاب "12 أو 13 عاما". فهو لا يعرف عمره الحقيقي.

رحلة طويلة
في حديثه عن رحلة عتيق يقول مرافقه ناصر "توجه عتيق من أفغانستان إلى باكستان ومن ثم عبر الحدود إلى إيران، ومن هناك توجه إلى تركيا. ثم أكمل عبر الجبال رحلته إلى بلغاريا مشيا على الأقدام". وفي بلغاريا ضايقت الشرطة مجموعة اللاجئين التي كان يرافقها، فهربوا جميعا إلى صربيا. كانت المسافة التي قطعها عتيق بحافلات النقل ومشيا على الأقدام حوالي 6000 كيلومتر.

ناصر بدوره آت من العاصمة الأفغانية كابل، وهو في مطلع العشرينيات من العمر. أما عائلة عتيق التي تعيش خارج العاصمة "فأفرادها فلاحون فقراء يعيشون على قطعة أرض زراعية صغيرة ولهم أطفال كثيرون. وأرادت الأسرة أن يحصل أحد أبنائها على الأقل فرصة لحياة أفضل"، كما يقول ناصر.

يشار إلى أن أفغانا كثيرين يخشون أن تأخذ حركة طالبان أبناءهم وتضمهم للحركة، فيفضلون إبعادهم في رحلة صعبة ومجهولة المصير.

وعندما سئل عتيق عن مصاعب الرحلة ومخاوفها قال "على المرء أن يكون شجاعا وأن يكافح. وعندئذ سيتمكن من مواجهة جميع الصعاب". ويتذكر عتيق دائما كلمات والده قبل سفره، حيث قال له إنه أصبح رجلا وعليه الآن تحمل الصعاب.

واعتبر ناصر أن عتيق سيستمر في رحلته حتى يحقق هدفه، حتى وإن كانت الرحلة صعبة وقاسية. ويضيف ناصر "اتصلنا مرة بعائلته حيث كان عتيق يود وقف مسار الرحلة والعودة إلى أفغانستان، غير أن عائلته رفضت ذلك وطلبت منا إكمال الرحلة معه".

عتيق وناصر
في بلغراد تجمعت المجموعة الأفغانية في خيمة أقامتها للاجئين منظمات الرعاية الإنسانية. وهناك يقوم اللاجئون بترتيب أوضاعهم قبل بدء المرحلة المقبلة، حيث يغادرون الخيمة في الليل، ويركبون الحافلة باتجاه الحدود الكرواتية. ولا يعرف اللاجئون، وحتى ناصر أيضا، أنه يجب قطع حدود ثلاثة بلدان أخرى قبل الوصول إلى ألمانيا، وجهتهم الأخيرة. فهم لا يفكرون في مخاطر الرحلة، ويعتبرون أن ظروف الرحلة المقبلة لن تكون أسوأ مما عايشوه في السابق.

طفلة لاجئة داخل خيمة مؤقتة في بلغراد (غيتي إيميجز)

جمع اللاجئون حاجياتهم ووضعوها في حقائب تحمل على الظهر، استعدادا لإكمال الرحلة هذا المساء. ويملك عتيق في رحلته هذه قميصا نظيفا وبعض الجوارب وعلبة من الكعك. ومعه أيضا حذاء رياضي متآكل. وقبل السفر ذهب عتيق وناصر إلى حافلة تابعة لمنظمة إنسانية توزع الملابس مجانا على اللاجئين بحثا عن كنزات مناسبة للفتيان.

وقد عبر عتيق عن اعتقاده بأنه لن يتمكن من رؤية عائلته في الأعوام القادمة، إذ إن العائلة فقيرة ولن تستطيع القيام برحلة لجوء مثله. وليست له تصورات عن مستقبله في أوروبا، غير أنه يقول "أريد الذهاب إلى المدرسة وأريد أن أتعلم شيئا ما". وهو يأمل في الوصول إلى ألمانيا التي تعرفها من خلال التلفزيون فقط، وقد قررت عائلته إرساله إليها لأنها تعتقد "أنها البلد المناسب له"، كما يقول.

لن يتصل عتيق اليوم بعائلته، لأن مجموعته ستركب الحافلة باتجاه كرواتيا. والرحلة تكلف 10 يوروات لكل شخص. لذلك ساهمت المجموعة في تحمل تكاليف سفره. أما الرحلة القادمة فلا أحد يعلم عنها شيئا بما في ذلك ناصر "لا أعرف ماذا ينتظرننا، لكن إن شاء الله سأوصل عتيق إلى ألمانيا". وهناك سيقرر آخرون مصيره.

المصدر : دويتشه فيلله