عاد حزب البديل الديمقراطي للظهور في ألمانيا مجددا، بعد أن كان يسير قبل أشهر قليلة نحو التلاشي والاختفاء بسبب انقساماته الداخلية. واتخذ الحزب الشعبوي تعبير "هجوم الخريف" الذي يستخدمه العسكريون عادة، شعارا له.

ويشير معهد فورسا لاستطلاعات الرأي إلى ارتفاع شعبية الحزب وجناحه اليميني بالذات إلى 7% في عموم ألمانيا، و9% في ولاية بافاريا وحدها، وحوالي 13% في ولاية ساكسونيا.

وقد كان موضوع اللاجئين هو مفتاح السياسة الجديدة للحزب. فألكسندر غاولاند -وهو واحد من قادة الحزب- لا يتوقف عن الظهور وإلقاء الخطب مستخدما جملة مضادة لتلك التي قالتها المستشارة أنجيلا ميركل. ففي إشارتها إلى إمكانية استيعاب اللاجئين قالت ميركل "نستطيع فعلها"، أما غاولاند فقد عكس الجملة قائلا "نحن لا نريد أبدا أن نفعلها". وقد وجد هذا الحزب قاعدته القوية في شرق ألمانيا، حيث يرتفع الخطاب الشعبوي المناهض لسياسة اللجوء التي تنتهجها المستشارة.

وتشير الوقائع إلى أن المزاج العام في ألمانيا حيال اللاجئين بدأ يتغير، فبعد خطاب "مرحبا بكم في ألمانيا" تغير الموقف لتنشأ ثقافة رفض اللاجئين، حيث إن 51% ممن شملهم استطلاع فورسا يشعرون بالقلق من موجات اللاجئين.

غوغاء جماهيرية
وانتشر مؤخرا في الشوارع شعار "رجاء واصلوا الفرار"، الذي يدعو اللاجئين إلى مغادرة ألمانيا. ويرى المتخصص في العلوم السياسية هايو فونكه في هذا الشعار "غوغاء جماهيرية"، ويقول إن ذلك ظهر في مدينة مايسن على نهر إلبا بالذات، حيث "بدأت الحدود بين اليمينيين والطبقة الوسطى بالاختفاء تدريجيا".

وتحذر دائرة حماية الدستور في ولاية ساكسونيا من ارتفاع عدد المواطنين ممن لا مانع لديهم من الحوار مع اليمين المتطرف. ويصف المتخصص في علم الاجتماع هاينز بوده هذه الفئة "بالطبقة التي تشعر بالمرارة"، وهي طبقة منتمية إلى الطبقة الوسطى وتشعر بالحسد تجاه اللاجئين الذين ترحب بهم الدولة، بينما يتم إهمالهم هم، حسبما يقول هاينز بوده.

رئيسة حزب البديل فراوكا بيتري (وسط) ونائبها ألكسندر غاولاند خلال مؤتمر صحفي (الجزيرة)

وانتقل القلق من هذه الظاهرة إلى دوائر السلطة الألمانية ذاتها، فقد بدأ رؤساء الكتل النيابية في البرلمان يحذرون من ثقافة "الترحيب" التي انتهجتها المستشارة، وبدأ بعض أعضاء حزبها -الحزب الديمقراطي المسيحي- بانتقاد نهجها، إذ يقول أحد أعضاء الحزب القدامى محذرا من غضب الناس، "عندنا خوف من الشعب".

وتمثل عودة الحياة لحركة بيغيدا المناهضة للأجانب أنصع الأمثلة على هذه الظاهرة، فالحركة التي كاد أن يطويها النسيان، ظهرت من جديد بعد قدوم أفواج اللاجئين من الشرق الأوسط. وتظاهر يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول حوالي تسعة آلاف شخص في مدنية دريسدن الألمانية بدعوة من الحركة، ورفع بعض المتظاهرين شعارات تتهم ميركل بخيانة ألمانيا.

وتقول الحركة إنها ستنظم مظاهرات أخرى، وستحاول حشد أكبر عدد ممكن من المحتجين، كما بدأ الحزب الديمقراطي الوطني -الذي يمثل النازيين الجدد- هو الآخر بالظهور، ولو كانت هناك انتخابات محلية في ولاية سكسونيا الآن لفاز الحزب بمقاعد داخل برلمان الولاية بسهولة، فهناك شعور بالتعاطف معه داخل الطبقة المتوسطة في تلك الولاية.

قادة حزب ميركل عقدوا اجتماعا حاسما في 13 أكتوبر/تشرين الأول (الجزيرة)

يشار إلى أن الموقف داخل ألمانيا يتراوح بين الثقة بالدولة وشعار ميركل "نستطيع فعلها"، وبين من يحذر من الخوف على الهوية الألمانية بقوله "القارب امتلأ".

انقسام قوي
وترى الباحثة في علم الاجتماع نايكا فوروتان أن هنالك انقساما قويا داخل المجتمع الألماني، في حين يحاول الرئيس الألماني يواخيم غاوك التقريب بين أطراف المجتمع التي بدأت بالتباعد. فهو يقول "صدرنا واسع" بيد أنه يعود ويقول "إمكانياتنا ليست دون نهاية". هنا تظهر ساعة الحسم وجلوس الساسة لاتخاذ القرارات المهمة خلف الأبواب المغلقة.

في هذا السياق، عقد قادة حزب ميركل (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في 13 أكتوبر/تشرين الأول جلسة ضمت متخصصين وخبراء، تحدث فيها الجميع عن الخوف من انهيار شعبية الحزب جراء سياسة المستشارة تجاه اللجوء.

وأظهر الاجتماع -بحسب الباحث السياسي تيمو لوخسكي- وقوف ميركل على قاعدة صلبة في سياستها. ورأى أن تراجع شعبيتها بين طبقات المجتمع الألماني هامشي جدا، بينما يرتفع تعاطف أعضاء حكومتها معها. لكن الملفت أيضا أن وزيرا الداخلية توماس دي ميزيير والمالية فولفغانغ شويبله -وهما من حزب ميركل- ليسا موافقين بالكامل على سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها المستشارة.

المصدر : دويتشه فيلله