كان مساء يوم جمعة، حينما وصل إلى المحطة بمطار "كولونيا بون" قطار يحمل 444 لاجئا. رحلة هؤلاء بالقطار كانت قد بدأت من محطة باساو الواقعة على حدود ألمانيا مع النمسا، واستغرقت ثماني ساعات.

لكن رحلتهم الأصلية من بلادهم كانت أطول من ذلك بكثير، فقد جاؤوا من أفغانستان وسوريا والعراق، ومن بين هؤلاء الشاب ريمون موسى وصديقه ماهر صباح. يكادان أن يكونا دون أمتعة، في حين أن ريمون يحمل على كتفه حقيبة ظهر صغيرة وفي عنقه: سلسلتان مع قلادة صليب.

إحدى السلستين من الخشب، أهدتها إليه أمه، أما الأخرى فمجدولة من غزل أسود، أعطتها له راهبة مسيحية حينما كان لا يزال في العراق لتحميه من مخاطر الرحلة إلى أوروبا.

أرض الأحلام
الآن وصل ريمون فعلا إلى ألمانيا، "أرض أحلامه" بحسب قوله، لكنه لا يعرف بالضبط أين هو. يسير على رصيف محطة القطار مع ماهر، باتجاه إحدى المتطوعات المتخصصات بمساعدة اللاجئين.

ترتدي المتطوعة سترة خضراء في إشارة إلى عملها مترجمة، وعلى الجزء الخلفي من السترة توجد إشارة إلى اللغة التي تتحدثها. لم يلاحظ الصديقان ذلك، لكنهما عرفا على الفور أنها يمكن أن تساعدهما، فبعد رحلة هروب استغرقت عاما تقريبا أصبح الصديقان يعرفان تلك الأمور تمام المعرفة.

يقول الصديقان إن والد ماهر رأى مقاتلي تنظيم الدولة وهم في طريقهم إلى قرقوش، وهو ما مكنهما من الفرار مع أسرهما في الوقت المناسب إلى أربيل، حيث مكثوا بضعة أشهر في هذه المدينة، عاصمة إقليم كردستان العراق

انطلقت رحلة ريمون وماهر من أربيل بكردستان العراق في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. هما ليسا بالأصل من أربيل وإنما من قرقوش البلدة التي تبعد نحو 32 كيلومترا جنوب شرق الموصل ثاني أكبر مدن العراق.

وقرقوش مدينة آشورية قديمة، غالبية سكانها من المسيحيين، ومن بينهم أيضا ريمون وماهر. وعندما تعرضت قرقوش في يونيو/حزيران 2014 لقصف مدفعي من قبل التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم "الدولة الإسلامية"، فرّ معظم سكانها إلى الموصل.

يروي الصديقان أن والد ماهر رأى مقاتلي تنظيم الدولة وهم في طريقهم إلى قرقوش، وهو ما مكنهما من الفرار مع أسرهما في الوقت المناسب إلى أربيل، حيث مكثوا بضعة أشهر في هذه المدينة، عاصمة إقليم كردستان العراق.

لكن ريمون لم يعد يشعر بالأمان، فالهجوم على قرقوش لم يكن الأول، فهي مدينة تمثل هدفا لمقاتلي تنظيم الدولة، المعروف إعلاميا باسم "داعش". ففي أكتوبر/تشرين الأول 2010، قام جهاديون بالهجوم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد وأخذوا نحو 120 شخصا -كانوا يشاركون في قداس- رهائن، وكان ريمون واحدا منهم.

وعندما بدأ المسلحون في إطلاق النار على الرهائن لأن الحكومة العراقية لم تستجب لمطالبهم، اقتحمت القوات العراقية الخاصة بدعم أميركي الكنيسة ولقي 68 شخصا مصرعهم، وانتشرت الصور في جميع أنحاء العالم.

ملف اللجوء
يقول ريمون "آنذاك أجريت مقابلات كثيرة وقمت بتخزين بعضها على أسطوانات من أجل إثبات الحق في اللجوء"، وهو يريد الآن أن يسلم السلطات الألمانية هذه المواد في أقرب وقت ممكن.

سأل ريمون المترجمة بانفعال "أين نحن الآن؟ وإلى أين سنذهب؟"، فردت المتطوعة لمياء أحمد بهدوء: "أنت في كولونيا. مرحبا بك"، ونادت على الجميع بأن يصعدوا السلم حيث يمكثون قليلا في خيام أمام المطار ويحصلون على وجبة ساخنة ويتسلمون ملابس، ثم ينقلون بحافلات إلى مراكز الاستقبال المختلفة للاجئين في جميع أنحاء ولاية شمال الراين وستفاليا.

بالنسبة لريمون لا يهمه إلى أين سينقل، فالأهم هو أنه أصبح آمنا ويمكنه أن يوضح بسرعة أن لديه الحق في البقاء، ثم يريد بعدها في أقرب وقت ممكن أن يستقدم زوجته وابنته الصغيرة، فهما "ليستا في مأمن في العراق" كما يقول.

المصدر : دويتشه فيلله