إنها الساعة الخامسة صباحا. يقف منار مرهقا أمام السفارة السورية في عمّان. الشاب ذو السبعة عشر عاما بحاجة إلى جواز سفر جديد يمكنه مغادرة الأردن، فهو يود السفر إلى أوروبا على غرار العديد من اللاجئين الشباب. "مدة الانتظار في الصف طويلة، لذلك أتيت هنا في الصباح الباكر. أريد السفر إلى تركيا ومن هناك مواصلة الطريق إلى اليونان".

ركب منار سيارة أجرة للانتقال إلى مدينة إربد شمال الأردن، حيث تعيش أمه وإخوته الثلاثة الأصغر منه سنا. وخلال الرحلة من عمّان إلى إربد -والتي استغرقت ساعتين- يروى منار قصة فراره من الحرب في مدينة درعا جنوبي سوريا.

يقول إنه فرّ مع أفراد عائلته عبر الحدود إلى الأردن حيث أقاموا بداية في مخيم الزعتري. هناك شعر بأن "كل الأبواب مغلقة" وأن رغبته في "صنع مستقبل" لإخوته الصغار ليست ممكنة في الأردن. ولتحقيق ذلك بات مستعدا للمخاطرة بحياته من خلال عبور البحر على متن قارب مطاطي باتجاه أوروبا، انطلاقا من الأراضي التركية.

يشار إلى أن وضع اللاجئين السوريين ساء منذ قيام برنامج التغذية العالمي بوقف مساعداته لهم وتوقف عن منحهم قسائم الطعام.

لضمان المستقبل
ويقول أبو محمد -عمّ منار- إن "العديد من اللاجئين يتكلمون عن ذلك والعديد منهم يفكرون في إرسال أولادهم إلى أوروبا، لضمان مستقبل أفضل لهم على الأقل". ويضيف أن ابنيه أيضا خاضا رحلة خطيرة عبر المتوسط للوصول إلى ألمانيا، وأنهما الآن في مركز لإيواء اللاجئين في مدينة ميونيخ.

ومعلوم أن الأردن كانت خلال السنوات الماضية ملاذا لآلاف اللاجئين من مناطق الحروب في العراق واليمن وسوريا، لكنها أصبحت الآن منطقة عبور وحسب.

مفوضية اللاجئين سجلت 630 ألف لاجئ في الأردن (رويترز)

وتفيد المفوضية العليا لغوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بأن نحو 630 ألف لاجئ تم تسجيلهم في الأردن ويعيشون فيه، بينما تتحدث الحكومة الأردنية عن مليون وأربعمئة ألف لاجئ قدموا منذ عام 2011.

ويفكر الكثير من اللاجئين إلى الأردن في مغادرته، وتقول المفوضية العليا لغوث اللاجئين إن نحو 3500 لاجئ سوري غادروا الأردن إلى أوروبا بالفعل.

وتشير التوقعات إلى أن عددا من اللاجئين غادر الأردن إلى تركيا، إما عبر سوريا -لمن ليس بإمكانه شراء تذكرة طائرة إلى إسطنبول- أو مباشرة إلى تركيا، لمواصلة الطريق المحفوفة بالمخاطر باتجاه أوروبا.

ويتابع منار آخر الأخبار عن وطنه، كما يتبادل المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع لاجئين آخرين عبروا المتوسط إلى أوروبا. وهو يقر بأنه غير قادر حاليا على تصور كيفية العيش في ألمانيا، ويوضح قائلا "أعرف أن الأمر لن يكون سهلا، ولكن أبناء عمي أخبروني بأن الألمان يحترمون الناس ويعطون فرصة".

ويمضي منار قائلا إنه يأمل في الدراسة في ألمانيا، وأن عليه تعلم اللغة الألمانية في البداية. ويقول بأنه قام بتحميل قائمة من الكلمات الألمانية ومرادفاتها بالعربية على هاتفه الجوال.

خفة الحقيبة
منار أعد حقيبته للالتحاق بآلاف اللاجئين الذين عبروا إلى أوروبا قبله، "المهم أن تكون الحقيبة خفيفة، لأنني سأحملها كل يوم على ظهري"، كما يقول.

ويشير إلى أن لديه تجربة في ذلك من خلال رحلة فراره من سوريا، حيث كان قد حمل حقيبة صغيرة على ظهره. لكن أهم شيء بالنسبة له هو هاتفه الجوال الذي خزن فيه صور عائلته وأصحابه.

وبعدما قام بتوديع أهله، لم يخفِ منار خشيته مما قد ينتظره من مخاطر في الطريق الذي قرر السير فيه.

وهو يقول "في المرة الأولى اضطررنا للهرب من سوريا في منتصف الليل، ولقد كان ذلك أمرا صعبا للغاية، والآن يتعين علي الرحيل مرة أخرى. لم أتصور من قبل أبدا أني سأكون مجبرا على ترك عائلتي وأصدقائي والبقاء دون سكن".

منار يشخص حاليا ببصره إلى الأمام وأمله كبير في أن "تجري الأمور نحو الأفضل".

المصدر : دويتشه فيلله