نحو نهج ذكي لتوزيع المساعدات بأفريقيا
آخر تحديث: 2017/8/13 الساعة 14:23 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/21 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الخارجية القطرية: حصر نقل حجاج قطر عبر الخطوط السعودية غير مسبوق وغير منطقي
آخر تحديث: 2017/8/13 الساعة 14:23 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/21 هـ

نحو نهج ذكي لتوزيع المساعدات بأفريقيا

فاتوماتا نافو تراوري*

إن حجم المعاناة الإنسانية التي تجتاح الصومال المبتلى بالجفاف حاليا يكاد لا يوصف، فمن الصعب أن نجد الكلمات المعبرة عن الدمار والبؤس اللذين يمسكان بتلابيب البلاد التي تمر الآن بفترة مطولة من أدنى معدلات هطول الأمطار على الإطلاق. وقد شاهدت قطعانا مهزولة من الماشية تسقط بلا حياة على الأرض، وكنت حاضرة عندما تبخر مستقبل الناس أمام أعينهم.

ولكن إذا لم يكن بوسع الكلمات أن تصف حجم الأزمة، فإنها قادرة على الأقل على توجيه استجابة العالم. وفي هذا الصدد، اسمحوا لي بتحري الوضوح التام، فما لم يعمل المجتمع الدولي على إجراء إصلاح شامل لنهجه في تسليم المساعدات في أفريقيا، فسوف تستمر دورة المعاناة بلا نهاية.

الواقع أن كارثة الصومال الحالية ليست فريدة من نوعها، فالملايين من الأفارقة، في أكثر من عشرة بلدان، يواجهون معاناة مماثلة، حيث يؤدي الحصاد الفاشل والصراعات المستمرة إلى تفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي. وتشير بعض التقديرات إلى أن المزارعين في شرق أفريقيا فقدوا ما يصل إلى 60% من مواشيهم، مصدرهم الرئيسي للدخل، في النصف الأول من عام 2017. وفي مواجهة هذه المشاق المربكة، أشعر بقدر من الغضب أعظم مما أشعر به من الحزن.

وينبغي للعالم أن يغضب أيضا، فقد حُرِم العديد من الناس الأشراف من سبل عيشهم واضطروا إلى الاعتماد على وجبة واحدة ضئيلة يوميا، أو لا شيء على الإطلاق. والأسوأ من هذا أن تجنب هذه المآسي كان في حكم الممكن، إذ كنا نعلم بقدوم هذه الأزمات.

الواقع أن الجفاف والجوع من الكوارث التي تتقدم ببطء، ويمكن تجنبها بالتخطيط الكفؤ والموارد الكافية. ولكن مرة تلو أخرى كانت المساعدات الإنسانية تأتي إلى أفريقيا منقوصة، كما حدث في الصومال في الفترة 2011-2012، وفي النيجر في عام 2005، وفي إثيوبيا خلال ثمانينيات القرن العشرين. وآنذاك، كما هي الحال الآن، كان انعدام الأمن الغذائي متوقعا لفترة طويلة قبل أن يشعر الناس بأولى قرصات الجوع، ولكن التحذيرات لم تُسفِر عن استجابة عالمية فعّالة.

وبوصفي طبيبة بشرية أدرك حقا كيف يؤثر الجوع وسوء التغذية والكوليرا، وغير ذلك من الأمراض المرتبطة بالجفاف على الأفارقة، خاصة صِغار الأطفال والمرضعات والحوامل. ومن الممكن أن يخلف الجوع على الصحة البدنية والذهنية تأثيرات ربما تكون غير قابلة للعلاج، وكثيرا ما تُبقي الناس حبيسي حياة كاملة من الفقر. ويتعين علينا أن نغير هذا المسار، قبل اندلاع الأزمة التالية، من خلال تحويل الغضب إلى عمل.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الصومال ونيجيريا واليمن وجنوب السودان سوف تحتاج إلى ما مجموعه 6.3 مليارات دولار هذا العام لتجنب المجاعة على نطاق واسع

نهج ذكي
بادئ ذي بدء، يتعين على مجتمع المساعدات أن يتبنى نهجا أكثر ذكاء في استجلاب وتخصيص الموارد مثل الغذاء والتمويل. كانت المنظمات الإنسانية كتلك التي أتولى إدارتها تعمل دوما بالاستعانة بموارد بشرية ومالية محدودة، وكان المنتظر منها أن تقوم بالمزيد من العمل بموارد أقل. لكن ألم يحن الوقت للقيام بالمزيد من العمل بالاستعانة بموارد أكثر؟ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الصومال ونيجيريا واليمن وجنوب السودان سوف تحتاج إلى ما مجموعه 6.3 مليارات دولار هذا العام لتجنب المجاعة على نطاق واسع. وحتى الآن، بعد انقضاء نصف العام، لم يُجمَع سوى ثلث هذا المبلغ.

فضلا عن ذلك، وربما الأمر الأكثر أهمية، يتعين على منظمات المساعدات الدولية أن تعيد النظر في الكيفية التي تعمل بها. فمن الواجب عليها أن تزيد من التأكيد على بناء حلول دائمة، وهذا يعني العمل بشكل أوثق مع الشركاء المحليين على الأرض. وهذه ليست فكرة جديدة، ولكنها حل لم يُعمَل به بعد.

تتمتع الأطراف الفاعلة المحلية بوضع أفضل يسمح لها بالوصول إلى أكثر الفئات ضعفا وتهميشا في أي مجتمع محلي. وتُعَد الجهات الفاعلة المحلية القوية عنصرا بالغ الأهمية لإدامة الخدمات لفترة طويلة بعد أن تحول وكالات المعونة المتعددة الجنسيات انتباهها إلى أماكن أخرى. وكل ما تحتاج إليه المكونات المحلية هو الموارد والقدرة على قيادة الجهود في هذا الصدد.

من المؤسف في لحظتنا هذه أن جزءا ضئيلا فقط من تمويل الطوارئ الدولي يذهب مباشرة إلى الوكالات المحلية. وما يزيد الطين بلة قلة الدعم المخصص المتاح لإعانة المنظمات المحلية على النمو والنضج. وبسبب أوجه القصور هذه، كثيرا ما تجد المنظمات المتعددة الجنسيات صعوبة في تسليم المسؤوليات إلى الجهات المحلية بمجرد تلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحا.

عندما يلقى المستجيبون المحليون الدعم في أدوار قيادية، تتحقق نتائج غير عادية، ففي الصومال على سبيل المثال، أنشأت جمعية الهلال الأحمر الصومالي العشرات من العيادات الصحية المتنقلة القادرة على خدمة بعض السكان الأكثر ضعفا في البلاد. وقد ساعد الهلال الأحمر، الذي يعمل في مناطق عدم الاستقرار والعنف التي كثيرا ما تكون خارج نطاق الخدمات الصحية الحكومية، في الحد من شدة الحالات الطارئة من سوء التغذية والكوليرا.

وأفضل ما في الأمر أن القدرات المحلية تظل قائمة حتى بعد انحسار مثل هذه الطوارئ. فبفضل ما تقدمه منظمتي وغيرها من المنظمات من تمويل وتدريب، يستطيع الهلال الأحمر الصومالي الآن أن يوفر، على أساس مستمر، دعم صحة الأم والطفل، وبرامج التلقيح، والعيادات الخارجية، وغير ذلك من أشكال الرعاية الصحية المجتمعية. وهذا مجرد مثال واحد للدور الإيجابي الذي تستطيع الجهات الفاعلة الإنسانية المحلية أن تلعبه عندما يجري تمكينها بشكل كامل.

لن يكون تغيير نموذج العمل الإنساني العالمي بالمهمة السهلة، ولم يكن أي تغيير على مثل هذا النطاق سهلا قَط. ولكن البديل -وهو حلقة لا نهاية لها من الجوع، والمرض، والوفيات التي يمكن منعها- غير مقبول. إن معاناة أفريقيا تجعل كثيرين عاجزين عن الكلام، ولهذا السبب لا بد أن تتحدث عنا أعمالنا بصوت أعلى من كلماتنا.
-----------------------------------
*المديرة الإقليمية للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمرين في أفريقيا

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات