تشبيه اللاجئين بأسلحة الدمار الشامل
آخر تحديث: 2017/3/3 الساعة 16:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/3 الساعة 16:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/5 هـ

تشبيه اللاجئين بأسلحة الدمار الشامل

ريكاردو هاوسمان*

في صيف عام 2015 كان رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر على وشك الفوز برابع انتخابات على التوالي كان من المزمع انعقادها في شهر أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، إلا أن حزب المحافظين الذي ينتمي إليه فاز بـ99 مقعدا فقط من إجمالي 338 مقعدا في مجلس العموم، ولم يفز الحزب بدائرة انتخابية واحدة في تورنتو أو في الساحل الأطلسي بأكمله، وانتهى الأمر بحصول حزب الأحرار بقيادة جستن ترودو على ثاني أكبر أغلبية برلمانية في تاريخه وهي 184 مقعدا، رغم أنه كان في المركز الثالث في بداية الحملة الانتخابية.

وهذا التحول السريع في مجريات الأمور كان سببه أحداثا وقعت على بعد آلاف الأميال، ففي الساعات الأولى من الثاني من سبتمبر/أيلول 2015 وفي بودروم بتركيا ركبت عائلة سورية كردية قاربا صغيرا في محاولة منها للوصول إلى اليونان، وبعد دقائق معدودة انقلب القارب وغرقت ريحانا كردي مع طفليها غالب وآيلان، ونشر مصور فوتوغرافي تركي يدعى نولفر ديمر على تويتر صورة لجثة الطفل آيلان كردي البالغ من العمر ثلاث سنوات ملقاة على الشاطئ، وهزت الصورة العالم أجمع وأنهت مسيرة هاربر السياسية.

وفي الربيع الذي سبق هذا التاريخ كان هاربر قد أمر وزير الجنسية والهجرة كريس ألكسندر بإعادة النظر في سياسة كندا بشأن اللاجئين من أجل ضمان عدم دخول "إرهابيين"، مما أدى إلى توقف نظام الهجرة تقريبا. وقبل شهر من ذلك التاريخ كان قد تطرق إلى حظر ارتداء النقاب في الخدمات العامة، الأمر الذي أثار الشكوك حول الدافع الحقيقي وراء قرار اللاجئين.

وكانت تيما كردي عمة آيلان كردي وهي مقيمة في فانكوفر، قد حاولت جلبه هو وعائلته إلى كندا لكن قرارات هاربر المتعلقة باللاجئين حالت دون ذلك، وفجأة أصبحت السياسة التي يقصد بها حماية الكنديين من "الإرهاب الإسلامي" سياسة أساءت إلى شعور الكنديين بهويتهم فقد كانوا مجتمعا منفتحا رحيما. ودفع هاربر ثمنًا باهظًا لما حدث.

لكن الأمور كانت مختلفة تماما جنوب الحدود الكندية، فقد فاز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تنشرين الثاني الماضي على أساس تقديم الوعود للناخبين بحظر السفر على المسلمين، وبناء جدار على الحدود المكسيكية و"قوة مسؤولة عن الإبعاد والترحيل"، وقررت المحاكم بطلان محاولة ترمب الأولى لتنفيذ حظر السفر ولكن بعد إحداث فوضى في المطارات وارتباك داخل الجامعات واختلال للنظام الأسري، والآن إدارة ترمب بصدد إصدار حظر جديد على السفر.

استنادًا إلى تطورات حديثة في علم النفس وعلم الأعصاب، هناك سببان يفسران لماذا يتصرف الأميركان والكنديون على نحو مختلف تماما. السبب الأول قائم على رؤى تتعلق بصناعة القرار في ظل الشك على أساس نظرية الاحتمالات التي طوّرها دانيال كاهنيمان وأموس تفرسكي في الثمانينيات والتسعينيات.

يقول كاهنيمان وتفرسكي إن فرض أي قيود على الهجرة يشير ضمنا إلى المفاضلة بين خطأين. الخطأ من النوع الأول هو السماح بدخول إرهابيين محتملين، والخطأ من النوع الثاني هو منع أجانب أبرياء من الدخول. إن صياغة سياسة مناسبة تتطلب الموازنة بين تلك المخاطر مع الأخذ في الاعتبار احتمالاتها النسبية ومقدار الاهتمام بإنقاذ حياة المقيمين وتمزق الحياة الأسرية للمهاجرين المحتملين. كم حياة أسرية تنوي أن تمزقها أو تعرضها للخطر من أجل تجنب هجوم إرهابي؟

يقول كاهنيمان وتفرسكي إنه عند حساب الاحتمالات يرتكب الناس أخطاء بشكل منهجي ويفعلون ذلك من خلال البحث في ذاكرتهم عن أمثلة، فإذا تذكروا هجمات باريس ونيس فسيبالغون في تقدير الإرهاب المحتمل، وإذا شاهدوا صورة آيلان كردي ربما يفكرون بعكس ذلك.

استغلال أهمية الذاكرة يؤثر على إدراك مخاطر اتخاذ القرار وربما يكون هذا السبب هو الذي جعل ترمب وفريقه يبالغون في تقدير مخاطر الهجمات الإرهابية باختلاقهم هجمات وهمية مثل "مذبحة باولنج جرين" وأكثر من ذلك اختلاقهم مؤخرًا حادثا إرهابيا لا وجود له في السويد.

خدع نفسية
واستغلال أهمية الذاكرة يؤثر على إدراك مخاطر اتخاذ القرار وربما يكون هذا السبب هو الذي جعل ترمب وفريقه يبالغون في تقدير مخاطر الهجمات الإرهابية باختلاقهم هجمات وهمية مثل "مذبحة باولنج جرين"، وأكثر من ذلك اختلاقهم مؤخرًا حادثا إرهابيا لا وجود له في السويد.

وربما يجادل ترمب بأن أي خطر يتعرض له أي أميركي غير مقبول بغض النظر عن عدد الأطفال الذين يموتون مثل آيلان كردي وتمزق الحياة الأسرية لكثير من الناس، لكن في هذه الحالة كيف له أن يطلب من الجنود الأميركيين أن يعرضوا حياتهم للخطر في الموصل أو قندهار؟ هل طلب مثل هذه التضحية مبررا -على الأقل جزئيا- بسبب الحرص على سلامة الآخرين؟ هل فعلاً عدم الاهتمام بما يحدث للآخرين هو تقليد أميركي؟

الرؤية الثانية وهي من بحث نفسي قام بتلخيصه بروس هود في كتابه الأخير "الخداع النفسي"، تتعلق بالدور الذي يقوم به الوعي بصناعة القرار ويظهر بحث معملي حديث أن أفكار الوعي الخاصة بنا تختلق حججا منطقية لكثير من القرارات التي يميل العقل إلى اتخاذها دون وعي.

وعلى سبيل المثال، فرئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش ربما قرر غزو العراق والإطاحة بصدام لأسباب عدة: الحصول على مزايا إستراتيجية واهتمامات إنسانية وربما حتى التنافس مع أبيه، ومعظم الأسباب لم يكن من بينها وجود أسلحة دمار شامل، ومع ذلك اُستخدمت حجة وجود أسلحة دمار شامل لأنها كانت من أسهل الحجج تبريرا في ضوء الأحداث التي جرت.

هل فعلا تم اتخاذ قرار حظر السفر بدافع حماية الأميركان أم هناك دوافع أخرى؟ ضع في اعتبارك أنه قد تم تطبيق حظر السفر على سبع دول فلماذا ينظر إلى الموطن الأصلي على أنه أداة استشعار للإرهابيين المحتملين؟ ورغم كل شيء لم يرتكب أي لاجئ مسلم عملا إرهابيا في الولايات المتحدة ولم يرتكب مواطنو الدول السبع التي استهدفها ترمب أي أعمال إرهابية في الولايات المتحدة.

هل يعد مريض سوري بالسرطان أو أكاديمي إيراني متميز أكثر خطورة بسبب موطنهما الأصلي؟ هل يمكننا أن نثق بالخارجية الأميركية وأجهزة الاستخبارات في إصدار هذه الأحكام دون الرجوع فقط إلى معلومات عن الموطن الأصلي؟

النقطة الأساسية هي أن حظر السفر على المسلمين وبناء جدار على الحدود المكسيكية ربما يكون أقل ارتباطا بتبريراتهم التي صرحوا بها وأكثر ارتباطا باعتبارات أخرى قد يكون بعضها تشكل باللاوعي، ورغم كل شيء لم تضع هذه السياسة وزارة الأمن الداخلي لكن وضعها كبير الإستراتيجيين لدى ترمب وهو المحارب الثقافي ستيفن بانون.

وربما يؤيد الشعب مثل هذه الإجراءات لأن الناس قلقون من أن الأشخاص الذين لا يشبهوننا سيسمح لهم بأن يكونوا جزءا منا وبالتالي لن يكون هناك "نحن" بعد الآن. لكن هل سيكون هناك "نحن" إذا تخلينا عن انفتاحنا ورحمتنا؟
-------------------------
* وزير التخطيط السابق في فنزويلا وكبير الاقتصاديين بمصرف التنمية للبلدان الأميركية، وهو مدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ الاقتصاد بكلية كينيدي بجامعة هارفارد.

المصدر : بروجيكت سينديكيت