جمدت محكمة مصرية مؤخرا أموال خمسة من الحقوقيين البارزين وثلاث منظمات أهلية، وقررت التحقيق معهم مجددا بتهمة تلقي تمويل أجنبي. الحقوقي "جمال عيد" أحد المتهمين، تحدث للجزيرة نت عقب هذا الحكم حول مستقبل العمل الحقوقي بمصر.

عبد الله حامد-القاهرة

أصدرت محكمة مصرية السبت أمرا بتجميد أموال خمسة من المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان وثلاث منظمات أهلية، ويخضع هؤلاء للتحقيق مجددا بتهمة الحصول على تمويل أجنبي في قضية تعود إلى عام 2011، وتسببت في أزمة دبلوماسية بين واشنطن والقاهرة.

وسارعت منظمات حقوقية إلى إدانة الحكم الذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه "خدعة معيبة لإسكات العمل في مجال حقوق الإنسان".

والنشطاء الذين منعوا من التصرف في أموالهم هم حسام بهجت مؤسس "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، وجمال عيد، وبهي الدين حسن، ومصطفى الحسن، وعبد الحافظ طايل.

أما المنظمات فهي مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي أسسه بهي الدين حسن، ومركز هشام مبارك للقانون الذي أسسه مصطفى الحسن، والمركز المصري للحق في التعليم.

وأجرت الجزيرة نت الحوار التالي مع الحقوقي جمال عيد.

 كيف تنظر للحكم الصادر ضد رموز العمل الحقوقي؟

هو مجرد حكم سياسي انتقامي، مخالف للقانون بشكل واضح، لكنه يرضي السلطة بالتأكيد، وكل ما أملكه مبلغ يقدر بنحو سبعة آلاف جنيه في البنك، بالإضافة إلى نحو أربعمئة جنيه نقداً، وأقود سيارة لا أملكها بل يملكها آخر، لكنني أسيطر على باقي مبلغ جائزة المدافع عن الكرامة الإنسانية التي حصلت عليها، والتي أنفق منها على مكتبات الكرامة العامة التي أنشأتها في مناطق بولاق، ودار السلام، والزقازيق، وطره، والخانكة، ونرتب لتأسيس مكتبة في عين الصيرة، وهي تعدّ نقود الأطفال والشباب الذين يستفيدون من المكتبات.

 هل ترى أن ثمة استهدافا شخصيا لكم؟

الحكم لا يستهدف حقوقيين محددين بالاسم، لكنه يستهدف المؤسسات الحقوقية المستقلة في محاولة لإسكاتها أو إجبارها على التواطؤ، وإرسال رسالة لأي مؤسسة تتجرأ على الانتقاد ومناصرة المظلومين، بأن هذا سيكون مصيركم لو استمر نشاطكم.

وفي ما يخص بعض الأسماء، فقد يكون هناك مزيد من الأسباب لدى السلطة للبدء بهم في التنكيل، بالإضافة إلى دور المؤسسات التي صدر الحكم في مواجهتها.

بالنسبة لشخصي، علمت أن هناك سببا إضافيا للانتقام مني، وهو إرضاء إحدى الحكومات العربية، حيث بلغني أن ممثل تلك الحكومة تقدم بشكوى ضدي، فقيل له انتظر، فنحن لدينا ترتيبات خاصة له، وقد كان.

 بم تفسر صدور الحكم في توقيت حساس يتزامن مع زيارة السيسي للأمم المتحدة، مع ما يستتبعه ذلك من نقد دولي يمكن أن يواجهه السيسي هناك؟

لا أدري هل جرى الأمر مصادفة أو بشكل متعمد، وعلى أي حال، فإن ما يعنيني في الحقيقة هو صدور حكم كهذا يحاول إمساك العصا من المنتصف، فلا هو قانوني، ولا هو انتقام كامل، وكمحام يعنيني في المقام الأول أنه لا يجب أن تكون الأحكام مستندة إلى التوازن السياسي، بل إلى القانون وحده، وهو ما لم يحدث.

 هل سيؤثر القرار سلباً على المؤسسة التي تديرها؟

 

جمال عيد: هناك أسباب لدى السلطة للتنكيل بالنشطاء (الجزيرة)

منطوق الحكم لن يؤثر على الشبكة العربية لحقوق الإنسان، التي أعمل بها محاميا، حيث إن الحكم يشملني أنا شخصيا وليس المؤسسة.

 هل تتوقع أن يؤثر بالسلب على المؤسسات المماثلة؟

أتوقع أن يؤثر سلباً على المؤسسات الحقوقية الثلاث الأخرى: مركز القاهرة، ومركز هشام مبارك، ومركز الحق في التعليم؛ لأن الحكم الجائر شملها كمؤسسات بجانب مديريها.

 كيف تقيّم تأثير الحكم على مهمتكم إزاء ضحايا الانتهاكات؟

دفاعنا القانوني الحقوقي عن ضحايا الانتهاكات لا يرتبط أساسا بالمؤسسات، لكن المؤسسات تزيد من قدرة جهودنا الشخصية، من هنا سيتأثر الدفاع عن الضحايا بشكل ما، لكن يوجد جانب إيجابي، ألا وهو أن حركة حقوق الإنسان أصبحت أوسع مدى بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وفي القلب منها المؤسسات الحقوقية، كجزء منها وليست هي كل الحركة، وأستطيع القول إن الحركة الحقوقية الآن قوية جدا، لا سيما بوجود آلاف الشباب المنخرطين فيها، الذين زاد وعيهم وتمسكهم بحقهم في الديمقراطية عقب ثورة يناير العظيمة.

 ما الخطوة التالية لك إزاء الحكم؟

سأكمل مع زملائي في الشبكة العربية وفي المؤسسات الحقوقية المستقلة الأخرى مهام عملنا في الدفاع عن الضحايا وكشف الانتهاكات، ونتذكر مقولة الراحل ناجي العلي "سنرسم ونفضحكم ولو على جدران المنازل".
(يتنهد جمال عيد ويشرد قليلاً قبل أن يستطرد:)
هذا ما أعلنته فور النطق بالحكم ولا زلت أصر عليه، رغم أني من الناحية القانونية لا أثق في أن القضية تتم إدارتها في المحاكم أو بشكل عادل، لكننا قررنا أننا لن نخسر شيئاً من إجراء تظلم كل ثلاثة شهور على الأقل لكشف الطبيعة السياسية لحكم تجاهل الأدلة وبني على تحريات كاذبة بشكل مفضوح.

 هل ترى جدوى من الضغط الحقوقي الدولي على النظام من أجل إتاحة حرية العمل الأهلي الحقوقي؟

أنا مؤمن إيمانا جازماً بأن المكاسب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في أي بلد هي نتاج نضال شعب هذا البلد.

هل ترى أنه يمكن توفيق الأوضاع وفق الضوابط الرسمية للعمل الحقوقي؟

الدولة لن تقبل عملا حقوقيا مستقلا ونزيها، وهي لن ترضى عن المؤسسات الحقوقية إلا إذا تواطأت، ونحن لم ولن نتواطأ في قضايا حقوق الإنسان أو حرية الآلاف في السجون.

هل ترى القوانين المنظمة للعمل الأهلي الحقوقي كافية لضمان العمل بحرية وتقديم إنجازات لصالح ضحايا الانتهاكات؟

القوانين التي تنظم العمل الأهلي في مصر جاءت دائما نتاج رؤية حكومات مستبدة قمعية، والمرة الوحيدة التي كان هناك أمل في طرح قانون ديمقراطي هو عقب ثورة يناير، لكن للأسف قام المجلس العسكري بعرقلته؛ فالمجلس العسكري كان يعد امتدادا لنظام مبارك، وإن بصورة أسوأ، وهكذا تم إرجاء صدور قوانين ديمقراطية، فظل العمل الأهلي تحت سيطرة أنظمة تعادي حقوق الإنسان ولا ترحب سوى بالمتواطئين.

هل ثمة أمل -ولو ضئيلا- في انفراجة لعمل الحقوقيين في ظل هذا النظام؟

للأسف، لم يُظهر هذا النظام حتى الآن أي إرادة سياسية لاحترام حقوق الإنسان أو سيادة القانون. نتمنى ذلك، لكن واقعيا لا نرى شيئا يلوح في الأفق.

المصدر : الجزيرة