أسيل جندي-القدس المحتلة

عندما غادر محمد جندي مدينته القدس عام 1978 باحثا عن فرصة عمل في المملكة العربية السعودية بعد إتمام دراسته الجامعية، اعتقد بأن بإمكانه تكوين أسرة يكمل معها مسيرة حياته بطمأنينة واستقرار رغم الغربة والبعد عن الوطن.

آمال بناء الأسرة المتماسكة تحققت، ورُزق محمد وزوجته بسبعة أبناء أنجباهم في السعودية، وعاشت الأسرة هناك حتى عام 1996، حين اضطر في ذلك العام لنقل مركز حياة زوجته وأبنائه لمدينة القدس، ليتمكنوا مع بلوغهم سن الـ16 من الحصول على الهوية الزرقاء التي تمنحها وزارة الداخلية الإسرائيلية للمقيمين بالمدينة فقط، وبدأت آنذاك رحلة الشتات.

رحلة الغربة
يقول محمد جندي إن رحلة عائلته القسرية نحو المجهول بدأت منذ عام 1948 عندما هُجّروا من قرية دير ياسين بالقدس، وما تزال العائلة موزعة على مساحات تمتد من فلسطين إلى أميركا الجنوبية حيث تعيش والدته وأشقاؤه في البرازيل، مضيفا أن الشتات الذي تعيشه أسرته النواة وعائلته الممتدة لا تبدو له نهاية قريبة.

انتظم الأبناء في دوامهم المدرسي في القدس، ولم تكن وسائل الاتصال بين بلدان العالم أمرا سهلا قبل عشرين عاما، مما أثّر بشكل سلبي على نفسية الأم والأبناء، وكانوا جميعهم ينتظرون بلهفة العطلة المدرسية للعودة للسعودية ولقاء رب الأسرة.

غادرت بناته وأبناؤه أطفالا من السعودية وكبروا والتحقوا بالجامعات الفلسطينية، وتخرجوا فيها جميعا، ولم يتمكن والدهم من مشاركة أي منهم فرحة التخرج، كما لم تجتمع العائلة في القدس منذ عام 1996 سوى ثلاث مرات في شتاء 2006 وصيف 2008 وصيف 2015.

صورة تجمع الزوجة ميسر عليان وبناتها الأربع المقيمات في القدس (الجزيرة)

مسؤوليات إضافية
مرّت لحظات فرح كثيرة في شريط حياة الأسرة وأخرى قاسية وحزينة، وكانت الغربة العنوان العريض الذي ينغص أوقات الفرح ويزيد قسوة المواقف الصعبة التي مرّت وتمر بها العائلة.

وعن حالة الشتات التي تعيشها الأسرة تقول الزوجة ميسر عليّان إنها لا تشعر بالاستقرار أبدا، فهي تتنقل على مدار العام بين الرياض والقدس، وأينما تكون يبقى ذهنها منشغلا على من هم ليسوا حولها من الزوج والأبناء.

وتضيف أن الغربة عن الزوج حمّلتها مسؤوليات إضافية، لأنها اضطرت لمرافقة أطفالها للقدس والمكوث معهم وهي لا تعرف شيئا عن طبيعة الحياة في تلك المدينة بعد العودة لها من الغربة، لكنها اضطرت للتأقلم والقيام بدور الأم والأب في سبيل عدم فقدان أبنائها حق الإقامة بالقدس.

تزوجت روان وأسيل وهبة في القدس، بينما تزوجت الشقيقة الكبرى راما في الإمارات العربية المتحدة، دون أن تتمكن والدتهن من الوقوف إلى جانبهن في جميع الأحيان لظروف الغربة واضطرارها للمكوث في السعودية لتجديد إقامتها بشكل دوري.

وعن تأثير ذلك في نفوسهن، تقول روان "أنجبت ثلاثة أطفال، آخرهم ابنتي تالين قبل ستة أشهر، ولم يتمكن والدي من الحضور حتى الآن لرؤيتها في القدس، فهو يعرفها من خلال الصور فقط التي يطلب منا دوما إرسالها، هذا حقا موجع".

أما البنت الكبرى راما والمغتربة في إمارة أبو ظبي فتقول إنها عاشت الغربة مرتين: الأولى في بعدها عن والدها سنوات متواصلة، والأخرى في بعدها عن جميع أفراد الأسرة منذ تزوجت وغادرت القدس عام 2008.

وتتابع "شعرت بضعف شديد بداية حياتي الزوجية، وكنت أتصل بأفراد أسرتي عدة مرات يوميا، وأصعب الأيام التي تمر علي حتى الآن هي فترة عيدي الفطر والأضحى، ورزقت بطفلتين أحرص دائما على تقليب صور عائلتي أمامهما لتشعرا بالارتباط بهم وتألفا وجودهم حولهما عندما نتوجه للقدس في إجازاتنا السنوية".

وعن انعكاس حالة الشتات والغربة على المستوى النفسي والاجتماعي لأفراد الأسرة يشير المختص الاجتماعي محمود عبد النبي إلى الآثار العميقة التي يتركها الاغتراب على الأطفال لفترات طويلة، إذ يفقد الطفل مصدر الأمان لعدم وجود والديه معه طيلة الوقت، ويدخل في دوامة من القلق والتوتر، لأن العنوان الذي يمكنه اللجوء إليه في فرحه وحزنه غائب عنه معظم الوقت.

المصدر : الجزيرة