أيمن الزبير-مدريد

لم يدر في خلد الحقوقيين الإسبان أن البشرى التي حملتها المحكمة الدستورية الإسبانية عندما أصدرت قرارا يمنع ترحيل المهاجرين القاصرين إلى بلدانهم الأصلية؛ ستتحول إلى نقمة تجثم على صدور مئات الأطفال الذين قادهم حظهم العاثر إلى إسبانيا.

تعود تفاصيل هذا الحكم إلى ديسمبر/كانون الأول 2009 عندما أجهض المحامي الإسباني إغناثيو دي لاماتا عملية ترحيل قاصر مغربي بحجة عدم وجود كفيل له ووجوده في وضعية غير شرعية. وانتزع المحامي اعترافا من أعلى سلطة قضائية في إسبانيا مفاده أن القوانين الدولية لحماية حقوق الطفل هي المرجع الأصلي، وأن الجهاز القضائي الإسباني مجبر على توفير كل ضمانات الدفاع للمهاجرين القاصرين والامتثال لقراراتهم سواء كانت بالمكوث في إسبانيا أو مغادرتها.

توفي إغناثيو دي لاماتا بعد ثلاث سنوات من هذا الإنجاز الحقوقي، لكن العقبات التي كانت تواجه المهاجرين القاصرين ما زالت تلقي بظلالها على من ينجح في عبور مضيق جبل طارق بحثا عن مستقبل يستعصي ضمانه في دول القارة الأفريقية.

أرقام غير صحيحة
"في العام 2007 وصل 1172 مهاجرا قاصرا إلى إسبانيا حسب سجلات الادعاء العام، بينما سجلت نفس الهيئة تراجع هذا العدد إلى 395 قاصرا في السنة الماضية. هذه الأرقام غير صحيحة وتخفي غابة من التجاوزات والخروقات التي نشهدها كل أسبوع"، حسبما تؤكد لورديس ريثابال رئيسة جمعية "جذور" التي تصارع طواحين الهواء لإيقاظ ضمائر المجتمع الإسباني وفضح ممارسات السلطات المعنية.

ويعود تشكيك لورديس في صحة الأرقام الرسمية إلى الإجراءات التي يتخذها الادعاء العام لتحديد هوية وسن المهاجرين القاصرين الذين يتعرضون -على حد تعبيرها- لكشوفات طبية مهينة، موضحة أنه "بالنسبة للادعاء العام فإن معظم القاصرين يخفون سنهم الحقيقي، وبالتالي يجب إخضاعهم لكشف طبي مهين يتم خلاله إجبارهم على نزع ملابسهم وفحص أعضائهم التناسلية وأسنانهم، وهو الإجراء الذي يتنافى مع القيم الثقافية والدينية للقاصرين".

وأشارت إلى إجراءات أخرى تساهم في إطالة كابوس المهاجرين القاصرين، كاستخدام طريقة تصوير الهيكل العظمي لتحديد أعمارهم، وهي الطريقة التي قادت إلى تقديرات خاطئة حسب العديد من الأطباء الشرعيين.

هذه الإجراءات لا تستثني المهاجرين المغاربة الذين يشكلون أكبر نسبة من القاصرين الوافدين على إسبانيا، وهو ما دفع جمعية "جذور" إلى مخاطبة المصالح القنصلية المغربية في إسبانيا لإبلاغها بالخروق التي ترتكب في حق مواطنيها، ومطالبتها باتخاذ الإجراءات الملائمة لتوفير الحماية اللازمة للمهاجرين القاصرين المغاربة.

وتضيف لورديس بامتعاض "إلى حد الآن لم نتلق ردا من المصالح القنصلية المغربية في مدريد، ورغم وجود اتفاق ثنائي بين المغرب وإسبانيا ينص على ضرورة اعتماد الوثائق الرسمية للبلدين، يصر الادعاء العام الإسباني على التشكيك في صحة وثائق الهوية المغربية وتفضيل الفحوص الطبية التي تشكك في عمر القاصرين"، وترى أن تعنت الادعاء العام يهدف إلى منع هؤلاء القاصرين من الاستفادة من نظام الرعاية الإسباني وزرع اليأس في نفوس المرشحين للهجرة إلى إسبانيا.

تجاوزات بحق القاصرين
هذا الانطباع تشاركه الناشطة الحقوقية الإسبانية ميرثيديس خمينيث التي وثقت في السنوات الأخيرة عدة تجاوزات بحق المهاجرين القاصرين المغاربة الذين اضطروا -على حد تعبيرها- للبحث عن حلول بديلة أجبرتهم على بدء رحلة ثانية نحو دول أوروبية أخرى.

"بعد تشديد الضغط على القاصرين المغاربة في إسبانيا اضطر بعضهم للسفر إلى دول مثل بلجيكا وألمانيا. ونظرا لانتفاء منظومة قانونية ملائمة في هذه الدول لتوفير ضمانات كافية لهم، اختار بعضهم اللجوء إلى الدول الإسكندنافية، لكن هذا الخيار لم يأتِ بحلول إيجابية، إذ هناك العديد من القاصرين الذين وقعوا في فخ عصابات تجارة المخدرات والاستغلال الجنسي" تتأسف ميرثيديس التي تتساءل عن دور الحكومة المغربية ودور بعض المؤسسات الرسمية التي تعنى بقضايا الجالية المغربية في الخارج.

سؤال تردده أيضا رئيسة جمعية "جذور" التي لم يتسرب إليها الإحباط بعد، رغم قلة الموارد وإصرار بعض الجهات الرسمية على إلصاق تهمة الإجرام بهؤلاء القاصرين وحرمانهم من الضمانات التي توفرها الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الطفل.

المصدر : الجزيرة