عبد الله علي إبراهيم*

يحار المرء هل العنصرية في أميركا مسألة سياسية أم وجودية. ونعني بكونها "سياسية" أنه بوسع نظام ديمقراطي مستقر كالنظام الأميركي حلها بالمرابطة وعبر الزمن.

وغير خاف على الناظر من الخارج أن البرلمانية لم تقض على العنصرية بعد مر القرون إن لم تكن زادتها احتقانا، لكن بغير تهوين من الخطوات العملاقة التي خطتها أميركا في سبيل إنهائها.

ونعني من الجانب الآخر بكونه "وجودية" أمرين. أولهما أن العنصرية ترشح من مجرد وجود البيض والسود في محيط واحد. ولاعتقاد المتطرفين العنصريين -الأقلية بين البيض والسود- في فساد فكرة تعايش جماعتيهما في بلد واحد تواضعوا على وجوب تقسيم أميركا بين العرقين. ولهم خرائط معدة فرزت نصيب كل منهم من كعكة الوطن القديم. والمعنى الثاني للوجودية هو أن تبقى العنصرية مأزقًا إنسانيًّا لا فكاك منه وبغير حل يكتوي به الناس إلى أبد الآبدين.

في رأْي أوباما أن بلده الذي يعتقد أنه شغل لا يزال تحت "التشطيب" سيلتئم جرحه العنصري ويشفى. ولكن متى سنرى نجم هذا الوعد الجميل في الأفق؟

حلم الكثيرون طويلا باكتمال ذلك التشطيب بالسوية بين الأعراق ودعوا إلى تجسير الهوة بين السود والبيض. إذ هي دعوة قائمة منذ الرئيس لنكولن في خطبته عام 1858 في مناسبة قبوله ترشيح الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية. فقد قال إنه لن تقوم لأميركا قائمة بنصف من أهلها حر ونصف مسترق. وهي الكلمة التي خلدت هذه الفقرة من الإنجيل في قاموس السياسة الأمريكية: "لن تقوم قائمة للبيت المنقسم على نفسه". وجاء بعده بنحو قرن القس مارتن لوثر كنغ لينعى بيت الشقاق بمصطلحه الإنجيلي "علينا أن نتعلم العيش معًا كأخوة أو أن نتهاوى معًا كبلهاء". وتلاه صوت من غمار الناس انحفر في ذاكرة البلد هو صوت رودني كنغ بعد صدام السود والشرطة في غرب لوس أنجلس عام 1992: "أليس بوسعنا أن نعيش معًا". ولم يملك حتى الرئيس أوباما -في أسطع شهاداته عن وحدة الأمريكان في كلمته في دالاس بعد محنة شرطتها قبل أيام- نفسه من أن يلمح إلى أنهم أحيانا يجدون أن ما يفرقهم أكثر مما يجمعهم. فتدافع المحن تسوق كلا منهم لينسحب إلى ركنه الآمن ويرى الفضل كله في نفسه ويبخس الآخر تبخيسا. ولم يمنع تفاؤله مع ذلك من هاجس أنه ربما سيتفرق الأمريكيون أيدي سبأ لأن المركز الذي يشدهم إلى بعض قد رثت حباله.

رئيس شرطة مدينة دالاس الأسود ديفد بروان قال إن العنصرية فَحُشت بصورة تدفع المرء ليتمنى لو أنه ولد في زمان ومكان آخرين

عنصرية مستفحلة
تلبدت المسألة العنصرية كما رأينا حتى قال ديفد بروان، رئيس شرطة مدينة دالاس الأسود، إنها فَحُشت بصورة تدفع المرء ليتمنى لو أنه ولد في زمان ومكان آخرين. ولم يمنع استفحالها جماعة من المفكرين الجذريين من الثقة في أن السياسة لا تزال هي السبيل لحلها، فعابوا على السياسة الدارجة تناول المسألة على أنها فصلت بين مطلب السود بالحقوق المدنية ومطلبهم بالحقوق الإنسانية.

وأرجعت كارول أندرسون الأكاديمية السوداء من جامعة إيموري بولاية جورجيا، كساد المسألة العنصرية إلى هذا الفصل. والحقوق المدنية عند أندرسون هي حق الاقتراع، والحق في محاكمة عدالة، وحق الحماية من التفتيش والاعتقال التعسفيين. أما حقوق الإنسان فهي الحق في العلاج والتعليم والتوظيف. وقالت إن المنظمة الوطنية لرفاه الشعب الملون (NAACP)، التي تكونت في 1909، دمجت بين الحقين في الخمسينيات ثم اضطرت إلى التراجع عن مطلب الحقوق الإنسانية مكتفية بالحقوق المدنية. ولم تكن المنظمة غافلة عن حقوق الإنسان المهدرة مثل الحقوق المدنية. فقانون الضمان الاجتماعي في الثلاثينيات حَرَم العاملين بالزراعة والخدمة المنزلية (ونسبتهم 70% من السود) من منافعه. وهما ساحتا عمل السود الغالبة. كما لم يحظ 50% من السود البالغين بتعليم زاد على خمس سنوات مما أغلق أمامهم أبواب العمل في اقتصاد متطور. ولم تستمع الحكومة لأي من مطالبهم، فتقدموا بعريضة بمظالمهم إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة. وساء ذلك حكومتهم لاشتداد عود المنظمة (400 ألف عضو) وتعريضها بسمعة أميركا في مناخ الحرب الباردة التي بدت نذرها، فرمت المنظمة بتهمة العمل شيوعيًّا لتغيير النظم الأميركية، فتراجعت المنظمة وكفت منذ ذلك الزمن عن مطلب حقوق الإنسان لتركز على الحقوق المدنية.

ترتب على اقتصار حركة السود على الحقوق المدنية أن صار بوسع البيض المتنفذين الالتفاف كل مرة حول ما ناله السود من تلك الحقوق وتجريدهم منها. فقالت أندرسون إن "كل تقدم أحرزه السود في حقوقهم المدنية كانت عاقبته نكسة ذهبت بالمكسب الذي شقي السود في سبيله أدراج الرياح". وصارت هذه الحقوق المدنية في مهب دورة خبيثة من "خطوة للأمام خطوة للخلف".

فلم تصمد الحقوق في الاقتراعات التي كسبها السود في فترة إعادة البناء (1865-1877) بعد الحرب الأهلية أمام الهجمة المضادة للعنصريين البيض. فقد خشي هؤلاء العنصريون أنه إذا تمتع السود، وهم أغلبية سكان الجنوب الأميركي، بالقدرة على التشريع عملوا لإلغاء عوائد الفصل العنصري في السكن والمواصلات. وحين تقوى السود بالحقوق المدنية التي نالوها فترة إعادة البناء وصار لهم 16 عضوًا بالكونغرس و400 موظفا سياسيا في حكومة الولايات، سارع البيض العنصريون لإصدار تشريعات تحد من قوتهم التصويتية بمثل مطالبة الناخب الأسود بمعرفة القراءة والكتابة، ودفع ضريبة مخصوصة. كما نشطت منظمة الكوك كلس كلان العنصرية ترهب السود للحؤول دون ممارسة حقوقهم.

وفي ملابسات تاريخية وانتخابية معقدة تخلت الدولة الفدرالية بالكلية عن خطة إعادة البناء في 1877. وبتنصل الحكومة عن تلك الخطة حلت فترة كريهة في تاريخ علاقات الأعراق في أميركا معروفة بـ"جيم كرو" (1877-1965) تأسست جوهريا على تجريد السود من حق الاقتراع بصور مختلفة. وارتدت بالجنوب إلى أوضاع الرق القديمة. وظل السود على هذا الهوان حتى قامت بعد ثمانية عقود حركة الحقوق المدنية للسود بقيادة القس مارتن لوثر كنغ (1929-1968)، فاستردوا بها حق الاقتراع طبقًا لقانون الحقوق المدنية لعام 1965.

عاودت  البيض خشيتهم من المنعة الانتخابية للسود. حيث أزعجهم إقبال السود الكبير على التصويت في انتخابات 2008 حيث كادت تبلغ نسبة التصويت بينهم نسبة البيض التي راوحت في مكانها 

قوة انتخابية
ولم تكن الحقوق المكتسبة في 1965 هي نهاية المطاف. فعاد العنصريون البيض لمحوها من السجل، وعاودتهم من جديد خشيتهم من المنعة الانتخابية للسود. حيث أزعجهم إقبال السود الكبير على التصويت في انتخابات 2008 حيث كادت تبلغ نسبة التصويت بينهم نسبة البيض التي راوحت في مكانها. وعليه سارعوا لاحتواء هذه الواقعة الديمقراطية بحيلهم القديمة، فاستنوا سنة أن يكون التصويت بعد إبراز شهادة هوية للناخب مما لا يتوافر لكثير من السود مثل وثيقة حساب بالبنك، أو فواتير كهرباء وغاز، أو بيانات الدخل خاصة الضرائب.

وروعت الأوساط الديمقراطية بوقوف المحكمة العليا عام 2013 مع حكم شَرّع للولايات خرق حق السود في الاقتراع. فقد قضت هذه المحكمة بعدم دستورية مادة من قانون التصويت لعام 1965 غلت أيدي الولايات دون مثل ذلك الخرق، حيث أجازت تلك المادة للنائب العام الفدرالي التدقيق في السجل الانتخابي للولايات التي عُرف عنها تاريخيا الاستهانة بحق السود في الاقتراع في الجنوب الأميركي خاصة صونًا لذلك الحق.

وحكمت المحكمة بأغلبية من القضاة المحافظين بأن يأتي الكونغرس بصيغة غير تكريس هذا الاشتباه التاريخي في هذه الولايات نظرًا إلى ما استجد من تحسن علاقات الأعراق وعلى بينة من إحصاءات ومعلومات هي بنت وقتها.

وكان من رأي النقاد لحكم المحكمة أنه أطلق يد الولايات لتشرع ما شاءت ضد حقوق السود الانتخابية. فالاستحالة قائمة في نظرهم أن يأتي الكونغرس بهذه الصيغة وهو منقسم غير متفق على شيء. ولم تُضيّع ولاية تكساس زمنا في انتهاز السانحة. فبعد ساعات من صدور قرار المحكمة العليا أصدرت تشريعا ألزم الناخب ببطاقة إثبات هوية مما وصفنا أعلاه. وتبعتها 22 ولاية للتو بتشريعات مماثلة، وهي تشريعات كان مصيرها الشطب بواسطة النائب العام الفدرالي لولا حكم المحكمة العليا موضوع نظرنا. وزادتنا تكساس من الشعر بيتا بقولها إنها ستقوم بتقطيع الدوائر الانتخابية تقطيعا مغرضا معروفا بـ"jerrymandering" بما يضمن تشتيت أصوات السود وتركيز أصوات البيض. وتجادل محافظو المحكمة وليبراليوها. فقال جون روبرتز رئيس المحكمة، إن أميركا شهدت اطرادا في حسن علائق الأعراق فانتخبت رئيسا أسود. فردت عليه روث غنزبرج، التي اشتهرت مؤخرا بالازدراء بدونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة بقولها إن تعديل النائب العام لسبعمائة قانون انتخابي ولائي بشريعة قانون التصويت لعام 1965 منذ الثمانينيات لا ينهض دليلاً على تقدم علاقات الأعراق الذي استندت عليه المحكمة في تعديل ذلك القانون.

ولكن لا يبدو أن مفهوم خطوة إلى الأمام خطوة للخلف نافذ في كل حالة. فقد نجا مبدأ التمييز الإيجابي من كيد المتربصين حتى الآن. فقد حكمت المحكمة العليا بشرعيته في جلسة في 23 يونيو/حزيران المنصرم. فقضت بأغلبية واحد لصالح جامعة تكساس أن تواصل سياساتها في اعتبار العرق في القبول للجامعة. وكانت المخافة أن تحكم المحكمة للمدعية وهي طالبة لم يلق طلبها الالتحاق بالجامعة القبول. واتفقت المحكمة مع الجامعة في أن مثل هذا القبول للتمييز الإيجابي مما يعزز تنوع بيئة الجامعة وبيئة العمل لاحقا. ولكن من أرادوا الإطاحة به ما زالوا ساهرين يقعدون له كل مقعد، ومن هؤلاء منظمة مجتمع مدني كانت وراء محاكمة جامعة تكساس ولا تزال تتربص بجامعة هارفارد وكارولاينا الجنوبية.

للدعوة لدمج الحقوق الإنسانية بالحقوق المدنية وجاهة وأوجه عديدة. وسنتجاوز بالدمج تصوير النزاع العرقي كمواجهة بين ثقافة الشرطة البيضاء والشباب السود. فحتى براون رئيس شرطة دلاس قال مؤيدا من الرئيس أوباما إن أمريكا تطلب من شرطتها فوق مستطاعها، فمواجهة السود للشرطة الحارسة للنظام القائم، ناشئة من استضعافهم بسبب تعليم بائس وعطالة سقيمة. وهذا في معنى النقص في الحقوق الإنسانية للسود كما مر. وسيكون هذا الدمج ممكنا الآن في سياق الانعطاف اليساري الذي برز في دوائر الحزب الديمقراطي والمجتمع عامة. فالمطالب التي ارتبطت بالاشتراكية سابقا مثل التعليم العالي المجاني والتأمين الصحي للجميع لم تعد مستنكرة كما كانت قبلا. وسيخرج السود بفضل هذه الحقوق من حال المسكنة يتكففون إكراميات الدولة أعطتهم أم حرمتهم، وهو تكفف كساهم بالعار والنقص في الاستحقاق الإنساني.

ومن شأن هذا الدمج بين الحقين أيضا أن يستنقذ الحقوق المدنية للسود من مكر العنصريين البيض الذين يأخذون باليسار متى أعطوا باليمين: خطوة للأمام خطوة للخلف. وهذا ما أزهد الناس في العالمين في الديمقراطية لأنها لم تحسن في أميركا إلى مواطنين من الناخبين والمنتخبين فيها خلال قرون. ومتى رأى هؤلاء الناس البرلمانية الأميركية عائدة وراجحة استردوا الثقة في نظام لا مهرب منه. ومن جهة أخرى بلغ السقم من تعليق إنهاء العنصرية على البرلمانية، أي على الحقوق المدنية وحدها، الكاتب الأسود بتا نهسي كوتس أن قال إنه لا عزاء لنا في انتصاراتنا بالغة ما بلغت في حقل الحقوق المدنية. ولربما أن هذه الانتصارات ليست هي لب الموضوع. ولربما أن النضال هو كل ما بوسعنا فعله. وجماعة لا تملك سوى النضال هي، تعريفًا، جماعة من الضحايا الأبديين.

-------------------

*كاتب سوداني وخبير في الشأن الأميركي

المصدر : الجزيرة