سمير ساسي-تونس

تدخل سلوى مقر هيئة الحقيقة والكرامة وبين يديها ملف أوراق يختزن معاناتها الطويلة في السجن وبعده، وكلها أمل أن تعيد لها هذه المؤسسة المكلفة بتحقيق العدالة الانتقالية في تونس حقها الضائع.

دخلت سلوى السجن ولم تتجاوز عامها الـ16، وكانت يومها تستعد لاجتياز امتحان الرياضيات في المعهد الثانوي بمدينة وادي الليل غرب العاصمة تونس، يومها اقتحم عليها رجال الشرطة المعهد واقتادوها إلى ثكنة بوشوشة وسط العاصمة، حيث نالها من التعذيب ما لم يستطع خيالها الطفولي أن يستوعبه.

ثلاثة أيام من التعذيب المستمر، من صفع وضرب وسب وشتم وتهديد بالاغتصاب وحشر في زنزانة ضيقة مملوءة بأجساد معذبات أخريات مثلها.

تتجول سلوى البجاوي السجينة السياسية السابقة في بهو هيئة الحقيقة والكرامة، وبين يديها ملفها المثقل بوزر سنوات السجن الطويلة وسنوات المراقبة الإدارية الـ12 التي قضتها تتنقل فيها بين مخافر الحرس والشرطة تسجل حضورها اليومي وتشهد جلسات تحقيق متعددة وغير متوقعة تتخللها إهانات لفظية وتحرش من أعوان الشرطة بمختلف رتبهم.

أحد ضحايا التعذيب يقدم ملفا في مقر الهيئة (الجزيرة)

إيهام بالاستجابة
ما زالت سلوى تذكر حادثة صيف سنة 1995 حين دخلت أحد مراكز الشرطة لتوقع بدفتر الحضور اليومي المخصص لمساجين الرأي الخاضعين للمراقبة الإدارية حين التقت صدفة أحد كبار قادة الأمن الذي استوقفها عنده في مكتب رئيس المخفر لمدة ساعتين كاملتين، حاول خلالهما التحرش بها وإيهام الحاضرين في المخفر بأنها استجابت لطلبه، فقد كان يخرج بين الفينة والأخرى إلى بهو المخفر وهو يتفقد أزرار قميصه، فلما همّ بها لم تجد سلوى بدا من دفعه حتى ارتطم رأسه بشباك المكتب ثم لاذت بالفرار.

نجت سلوى يومها من براثن القيادي الأمني، لكنها لم تنج من مخلفات محاولته النفسية والأمنية، فقد اشتدت عليها المضايقة والمتابعة رغم أن مسؤولي الوزارة حاولوا لملمة الحادثة وإهمالها كما قالت سلوى للجزيرة نت، وأضافت "طالبت بسماع جلادي ومن عذبني وأنا من يقرر هل أسامح أم لا".

ملف سلوى واحد من بين أربعة آلاف ملف يخص نساء كنّ ضحايا الانتهاكات، ومن بين 65 ألف ملف أودعها أصحابها لدى هيئة الحقيقة والكرامة مع إغلاق باب قبول الملفات في 15 يونيو/حزيران الجاري.

سلوى البجاوي عقب خروجها من السجن (الجزيرة)

تعذيب وتنكيل
ملفات لضحايا من مختلف التوجهات الفكرية والسياسية ممن تعرض أصحابها للتعذيب والتنكيل والسجن وعائلات ما زالت تبحث عن أبنائها ممن تعرضوا للاختفاء القسري منذ استقلال تونس 1956، وآخرون يودون معرفة أماكن دفن أبنائهم الذين أعدموا أو قتلوا تحت التعذيب في زمن الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

وحسب التقرير السنوي للهيئة فقد تم فرز 17091 ملفا إلى حدود 31 ديسمبر/كانون الأول 2015 رفض منها 454 ملفا أي ما يعادل 3% من جملة الملفات، وقامت الهيئة بتبويب الانتهاكات وخلصت إلى أن وجود 38% من الانتهاكات المتعلقة بالتعذيب، وتتوزع باقي الانتهاكات بين حالات المنع من التكسب والاعتداء على حرية التعبير والإيقاف التعسفي الذي يرافق ثلاثة أرباع الحالات المسجلة فيه تعذيب للموقوفين و50% منهم يخضعون للمراقبة الإدارية بعد الإيقاف.

أما مطالب التحكيم والمصالحة التي يقدمها مرتكبو الانتهاكات المستعدون للاعتذار والاعتراف بجرائمهم المالية أو ضد حقوق الإنسان فقد نظرت الهيئة حتى ديسمبر/كانون الأول 2015 في 190 ملفا منها.

يعبر أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة عن تفاؤلهم بإنجاز مهمتهم الموكولة إليهم في إرساء العدالة الانتقالية ويرون أن الإقبال الكبير على تقديم الملفات تعزيز لرصيد الثقة في الهيئة وحافز مهم، خاصة بعد حملات التشويه والتشكيك التي طالت الهيئة منذ نشأتها، كما يقول خالد الكريشي نائب رئيس الهيئة.

لن تفت حملات التشويه قطعا في عضد سلوى البجاوي ولن تثنيها عن مساعيها الدائبة لاسترداد حقوقها المسلوبة، وتعويضها عما لحقها من ظلم وقمع.

المصدر : الجزيرة