عبد الله حامد-القاهرة

لا تختلف الحكايات إلا في أسماء أبطالها وبعض تفاصيل المأساة، فالاختطاف -سواء كان من الشارع أو من المنزل- مصيره واحد هو القتل، ومن ورائه بيان رسمي معد سلفا لتبيان السبب: اشتباكات مع أجهزة الأمن.

تلك هي القصة المكررة لنحو 745 شخصا قتلوا خارج القانون، رصد حالاتهم مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، وسجل العام الحالي أقل بقليل من نصف ما سجل العام الماضي، إذ قتل فيه 326 شخصا، ووصف المركز ما ارتكب من عمليات القتل بـ"عنف دولة".

قصة أحمد
ومن بين الضحايا أحمد محمد عبد الحكيم، الطالب في الفرقة الأولى بكلية الحقوق، الذي ظل يتنقل بين بيوت أقاربه وأصدقائه هربا من أجهزة الأمن التي داهمت منزله بحثا عنه بتهمة النشاط السياسي.

وفي الـ28 من أغسطس/آب الماضي قرر زيارة أهله بعدما هدأ تردد الشرطة على منزل أسرته، وكان والده يتابعه للاطمئنان بالهاتف قبل أن يتوقف أحمد عن الرد وهو في منطقة رمسيس ويختفي.

بعد أيام قرأ والده نبأ قتل شبان مسلحين في اشتباكات مع أجهزة الأمن بمقابر حلوان جنوبا، والتقت عيناه بعيني ابنه على صفحة الصحيفة، كان ابنه بطل خبر منقول من بيان وزارة الداخلية.

يشهد الوالد لولده بدماثة الخلق وهدوء الطباع "حتى أقاربنا ممن يؤيدون الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يصدقوا الرواية الرسمية، وذهب أحدهم لمقابر حلوان وسأل اللحادين: هل جرت اشتباكات خلال اليومين الماضيين؟ فنفوا جميعا".

عربات الترحيلات بمصر تشهد انتهاكات أثناء نقل المتهمين وشهدت إحداها قتل 37 محتجزا اختناقا وضربا (الجزيرة)

وفي المشرحة وجد الأب وحيده مضروبا بالرصاص في مؤخرة رأسه "فهل كان يشتبك معهم بظهره؟" يتساءل الأب بحسرة تعادل معاناته في استخراج شهادة وفاة لأحمد، وتستمر أسئلته الحائرة "هل يريد النظام الخلاص من الشباب بلا أثر؟".

قصة محمد
ولا تختلف قصة المهندس الزراعي محمد حمدان عن قصة أحمد إلا في مكان الواقعة، وهو محافظة بني سويف، حيث اعتقل فيها في الـ11 من يناير/كانون الثاني 2016 من مقر عمله، ولم تعرف أسرته مكان احتجازه لأيام، فحررت محاضر وأرسلت بلاغات بلا رد.

في الـ25 من يناير/كانون الثاني الماضي ظهر محمد في بيان لوزارة الداخلية متهما "بمحاولة اقتحام كمين شرطة فتم التعامل معه وتصفيته"، وتقول التنسيقية المصرية للحقوق والحريات إن "جثة محمد حمدان وجدت في الطريق العام وبها آثار تعذيب وطلقات رصاص".

ويكشف تقرير "دفتر أحوال" -وهو منصة معلوماتية حقوقية افتراضية- عن أن حالات القتل خارج إطار القانون بلغت في العام الماضي 45 حالة، أكثر من 90% منها وقعت في عهد وزير الداخلية الحالي مجدي عبد الغفار.

وأجريت التصفيات في 27 حالة داخل شقق، والباقي موزعة بين أراض زراعية ومناطق صحراوية وفي الشوارع، ومن حالات التصفية قتل الشرطة خمسة متهمين بتشكيل عصابي لسرقة الأجانب أعلنت الداخلية أنهم قتلة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني.

ورفض وزير الداخلية الاعتراف بوجود حالات تصفية عقب الاختفاء القسري، وقال "إنها شائعات اعتاد البعض ترديدها في مناسبات عديدة ولم يحدث شيء من ذلك مطلقا".

رأي حقوقيين
ويعزو الحقوقي المصري عزت غنيم زيادة حالات القتل خارج القانون إلى "زيادة الصلاحيات الممنوحة لأجهزة الأمن مع غياب الرقابة والمحاسبة نهائيا". ويضيف "ازدادت معدلات القتل العشوائي لمواطنين غير مسيسين في عام ٢٠١٦ بخلاف عام ٢٠١٥ الذي كان فيه القتل مرتبطا بالانتماء السياسي فقط".

ناصف: أفراد الشرطة أصبحوا لا يبالون بقتل معتقلين لعلمهم بأنهم لن يحاكموا (الجزيرة)

ويقول غنيم إن ذلك أدى إلى "اتساع دائرة القتل بثقة مفرطة، ولا سيما بعد تبرئة ضباط وأمناء شرطة مشاركين في قتل مدنيين غير مسلحين، سواء بالتعذيب أو بالتصفية الجسدية".

ولا يرى الحقوقي أملا قريبا في مواجهة الأزمة، فالنيابة العامة ترفض التحقيق في كل قضايا التصفية الجسدية والقتل خارج إطار القانون.

ويقدر الحقوقي أسامة ناصف الأعداد الحقيقية لأرقام الضحايا بأكبر مما هو مسجل لدى المنظمات الحقوقية، ويقول "الشرطة وصلت لمرحلة خطيرة من اللامبالاة لعلمها بأن أفرادها لن يحاكموا مطلقا، كما تستهين بكل المعاني والقيم، وبات القتل لأتفه الأسباب".

ولا يعول ناصف كثيرا على أي تحرك داخلي، "فمن سكت عن قتل الآلاف في المنصة والحرس ورابعة والنهضة ورمسيس وسيناء وغيرهم بدعوى أن هؤلاء معارضون سياسيون لن يتحرك اليوم خشية أن يكون هو قتيل الغد".

المصدر : الجزيرة