ياسر محجوب الحسين*
هل أصبحت زيارات الرئيس السوداني عمر البشير الخارجية متحديا المحكمة الجنائية الدولية فرصة ثأر من جراح حاولت المساس بكبريائه؟ فالرجل المطلوب القبض عليه من قبل المحكمة تمسك بتلابيبه نفس عنيدة تستبد بموقف رافض كليا للمحكمة واتهاماتها له بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور غربي البلاد المضطرب منذ العام 2003.

عشرات الرحلات الخارجية التي قام بها البشير منذ صدور مذكرتي توقيف أصدرتهما المحكمة عامي 2009 و2010 في حقه، تبدو كرحلات المغامرين التي لا منطق لها ولا تفسير مقنعا. ولم تكن وجهات الرجل محصورة في محيطه الإقليمي بل سافر إلى الصين وإندونيسيا والهند وجنوب أفريقيا، كما لم تكن قاصرة على الدول غير الأعضاء بالمحكمة بل شملت الدول الأعضاء والملزمة قانونا بالقبض عليه وتسليمه إليها.

وحتى يعود الرئيس سالما من رحلاته الخطرة، تمور الأفكار والهواجس والخواطر في رأس حكومته وأنصاره في كل اتجاه. 

آخر مظاهر التحدي طلب البشير من واشنطن الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة لحضور الاجتماعات المقبلة لـالجمعية العامة للأمم المتحدة.

يُشار إلى أن هناك ثلاثة مسؤولين سودانيين آخرين مطلوبين وهم والي ولاية شمال كردفان أحمد هارون، وكان وزيرا للدولة بوزارة الداخلية، ووالي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين، وكان وزيرا للدفاع، وعلي كوشيب وكان قائدا لمليشيات الجنجويد.

أسئلة كثيرة تدور في الأذهان عند الحديث عن "الجنائية الدولية" فما هي هذه المحكمة؟ وما هي حدود سلطتها؟ وهل تملك حق إجبار الدول غير الموقعة على ميثاقها على التعاطي معها؟ وهل هي محكمة قانونية محضة أم أنها غارقة في السياسة حتى أخمص قدميها؟

التأسيس والمشروعية
حتى 6 يناير/كانون الثاني 2015 صادقت على قانون المحكمة الجنائية الدولية 123 دولة تشمل غالبية أوروبا وأميركا الجنوبية، ونصف أفريقيا. وهناك أربع دول عربية فقط وقعت على ميثاقها هي تونس وجزر القمر وجيبوتي وفلسطين. ولم يصادق السودان على قانون المحكمة.

وأصبح نظام المحكمة ساري المفعول في الأول من يوليو/تموز 2002. وتقول أدبيات "الجنائية الدولية" إنها أول محكمة مستقلة ودائمة وقادرة على التحقيق ومحاكمة أولئك الأشخاص الذين ارتكبوا أشد الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي. ولهذا فإن وجود المحكمة أصبح ضرورة ملحة لإنهاء وردع الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي التي قد ترتكب مستقبلا.

وتقول المحكمة إنها تختص بجرائم حددتها، وهي الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جرائم العدوان. وتعني الجرائم ضد الإنسانية أي فعل من الأفعال المحظورة والمحددة في نظام روما متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العمد والإبادة والاغتصاب والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل القسري للسكان، وجريمة التفرقة العنصرية وغيرها.

أما جرائم الحرب، فتعني الخروقات الخطيرة لاتفاقيات جنيف 1949 وانتهاكات خطيرة أخرى لقوانين الحرب، متى ارتكبت على نطاق واسع في إطار نزاع مسلح دولي أو داخلي. 

وفيما يتعلق بجرائم العدوان، فإنه لم يتم تحديد مضمون وأركان جريمة العدوان في النظام الأساسي للمحكمة كباقي الجرائم الأخرى. لذلك فإن المحكمة تمارس اختصاصها على هذه الجريمة وقتما يتم إقرار تعريف العدوان، والشروط اللازمة لممارسة المحكمة لهذا الاختصاص.

لقد حاولت الكثير من الدول جعل المحكمة ذات سلطة عالمية خلال مفاوضات نظام روما، لكن واشنطن عارضت هذا الاتجاه، وعوضا عن ذلك تم التوصل إلى تفاهم يقضي بممارسة المحكمة لسلطتها فقط ضمن ظروف محددة. فمثلا إذا كان المتهم بارتكاب الجرم مواطنا لإحدى الدول الأعضاء (أو إذا قبلت دولة المتهم بمحاكمته) أو إذا وقع الجرم المزعوم بأراضي دولة عضو في المحكمة وسمحت الدولة التي وقع الجرم على أراضيها للمحكمة بالنظر في القضية، أو إذا أحيلت القضية للمحكمة من قبل مجلس الأمن، وهذه الحالة التي انطبقت على ملف دارفور الذي بموجبه صدرت مذكرتا التوقيف بحق الرئيس السوداني. وقد أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في دارفور، في سياق قراره رقم 1593 المتخذ يوم 31 مارس/ آذار 2005.
المحكمة وفقا لرأي الحكومة السودانية ليس لها السلطة القضائية لمحاكمة المواطنين، لذا فإنها ليست معنية بتنفيذ أي قرار تصدره هذه المحكمة، وهو ما تعتبره الخرطوم موقفا قانونيا

اتهامات وتحديات
لا تعترف حكومة السودان بالاتهامات التي وجهتها "الجنائية الدولية" إلى البشير، وتعتبر قضية دارفور ضمن الشؤون الداخلية، بل تعتبر الاتهامات التي وجهتها المحكمة للرئيس لها دوافع سياسية. ولعل أقوى حجة تدفع بها الخرطوم في وجه المحكم، أن السودان ليس عضوا في المحكمة أو طرفا في نظامها الأساسي، ولم يوقع على بنود اتفاقية روما.

وربما ذلك يفسر لماذا رفضت ليبيا تسليم سيف الإسلام القذافي إلى المحكمة الجنائية وقامت بمحاكمته أمام القضاء الليبي، وذلك لأن ليبيا لم توقع على الاتفاقية وبالتالي فهي غير ملزمة بالتعامل مع المحكمة. 

وعليه فإن هذه المحكمة -وفقا لرأي الحكومة- ليس لها السلطة القضائية لمحاكمة المواطنين السودانيين، لذا فإن تلك الحكومة ليست معنية بتنفيذ أي قرار تصدره هذه المحكمة. وهو ما يعتبره السودان موقفا قانونا، كما يعتبر أن قرار مجلس الأمن رقم 1593 لسنة 2005 الخاص بإحالة السودان للمحكمة الجنائية يناقض بوضوح أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، فضلا عن أن قرار القبض على رئيس الدولة -وهو على سدة الحكم- ينافي القواعد المستقرة في القانون الدولي والسوابق القانونية المتعلقة بحصانة رؤساء الدول.

ولم يكتف السودان بعدم الاعتراف بقرار المحكمة، بل ظل البشير في حالة تحد لقرار توقيفه، فلم تأته دعوة لزيارة دولة من الدول إلا ولبى الدعوة حتى ولو كانت عضوا في نظام المحكمة وملزمة قانونا بالقبض على البشير وتسليمه. وبنيت الإستراتيجية السودانية في مواجهة المحكمة على التأكيد باستمرار وبشكل ممنهج على أن المحكمة تستهدف الأفارقة دون غيرهم، وأطلق عليها تعبير "محكمة الرجل الأبيض". 

وكان آخر سفر للبشير يوم 12 مايو/أيار الحالي إلى أوغندا، وهي عضو بالمحكمة وملزمة بتنفيذ أمر الاعتقال، وذلك بغرض حضور تنصيب الرئيس يوري موسيفيني لفترة رئاسية جديدة. ولم تكترث أوغندا لغضب المحكمة أو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية. بل دعا الرئيس موسيفيني الدول الأفريقية إلى الانسحاب من "الجنائية الدولية" قائلا إنها أصبحت "أداة لاستهداف" القارة الأفريقية.

لكن لم تكن كل سفريات البشير لتمر بسلام، فقد مثلت الزيارة التي قام بها العام الماضي في يونيو/حزيران إلى جنوب أفريقيا تجربة صعبة ومخاطرة كبيرة، وذلك عقب إصدار محكمة في جوهانسبرغ قرارا بمنع مغادرته البلاد لحين النظر في طلب تسليمه للمحكمة الجنائية. وجنوب أفريقيا دولة عضو بالمحكمة، ويفرض عليها ميثاق المحكمة التعاون وتنفيذ مذكرات الإيقاف، وهو الأمر الذي لم تلتزم به الحكومة في جوهانسبرغ. وعقب مغادرة البشير، أصدرت محكمة بريتوريا العليا أمرا بإلقاء القبض عليه. وعلق قاضي المحكمة قائلا إن الإخفاق في القبض على البشير يعد بمثابة "انتهاك للدستور".

وأصاب تحدي البشير للمحكمة ودعمه من دول عديدة ومهمة، بل بعضها عضو بميثاق المحكمة، المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا بالإحباط الشديد وشعرت بإهانة المحكمة. وأعلنت في ديسمبر/كانون الأول في تقرير لها لمجلس الأمن أنها جمدت التحقيقات وحفظت ملف جرائم حرب دارفور بسبب عدم تحرك المجلس للضغط من أجل اعتقال البشير وثلاثة مسؤولين آخرين للمثول أمام المحكمة.

لكن الحكومة السودانية عدّت حينها الأمر محاولة لتصعيد قضية دارفور، وإصدار قرارات جديدة تمهد للقبض على الرئيس وكبار المسؤولين. لكن بعد ما يقارب عامين لم يتخذ مجلس الأمن خطوة محددة عدا التجديد الروتيني للقرارات المتعلقة بدارفور.
غالبية القضاة في المحكمة الجنائية أجمعوا على عدم وجود أسباب كافية للاعتقاد بأن البشير تصرف بقصد إجرامي خاص لإهلاك جماعات وقبائل معينة في دارفور، ولذا لا يتضمن أمر الاعتقال تهمة الإبادة الجماعية

الطريق الثالث 
هل أضحى هدف اعتقال الرئيس البشير وتسليمه للمحكمة الجنائية سرابا أو بقايا أحلام تكسرت أجنحتها وحطت على الأرض؟. ربما ليس تحدي البشير للمحكمة هو الذي حط من قدرها وقيمتها. فتناقضات المحكمة نفسها تسببت بشكل كبير في هذا المآل، فعلى سبيل المثال لم يتوصل اتفاق روما حتى اليوم إلى تعريف جريمة الاعتداء. وما زالت هناك مفاوضات صعبة مستمرة في مجلس الدول الأعضاء بها للتوصل إلى اتفاق على تعريفها. 

وتعتمد المحكمة الجنائية اعتمادا كبيرا على التعاون بين الدول لجلب المتهمين إليها، لأنه ليس لديها شرطة خاصة بها، أو هياكل إنفاذ القانون تحت تصرفها. ويشير الواقع إلى أن نجاحات المحكمة في جلب مجرمي الحروب والإبادة البشرية كانت قليلة خلال عمرها القصير منذ عام 2002 حتى يومنا هذا.

وهناك  أكبر ثلاث دول في العالم (الولايات المتحدة وروسيا والصين) لم توقّع وتصادق على المعاهدة المؤسسة للمحكمة، وهي دول لها صفة العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي من مجموع خمس دول أعضاء في هذا المجلس الذي يمثل أعلى سلطة أمنية في العالم.

وربما نجحت خطط الخرطوم بالعزف على وتر انحياز المحكمة ضد الأفارقة في تشكيل رأي عام أفريقي ضد المحكمة الجنائية مع وجود حيثيات ماثلة عززت الجانب الذي ركزت عليه الخرطوم في معركتها ضد المحكمة. وقد انتقد ممثلو الاتحاد الأفريقي كثيرا المحكمة الجنائية متهمينها بأنها ركزت بشكل كبير على انتهاكات حقوق الإنسان في القارة الأفريقية. بل طلب الاتحاد من المحكمة وقف إجراءاتها ضد أي رئيس أثناء فترة حكمه.

ليس في هذه القضية المعقدة منتصر ومهزوم، لا المحكمة الجنائية ولا الرئيس السوداني، فلابد من شق طريق ثالث ينهي هذه الحالة المأزومة. فعلى البشير أن يوافق على محاكمة المسؤولين الثلاثة داخل السودان وعبر القضاء الوطني مع موافقة المحكمة الجنائية على إيجاد صيغة تمكنها من المراقبة أو الإشراف الجزئي أو الفني. خاصة أن نظام المحكمة الجنائية ينص على أن دورها بمثابة دور تكميلي لدور المحاكم الوطنية، مما يعني أن الدول الأعضاء تحتفظ بحقها في ممارسة صلاحياتها واختصاصها القضائي فيما يتعلق بالنظر في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد البشرية. فكيف يكون الحال مع دولة غير عضو بالمحكمة؟

أما قضية اتهام الرئيس البشير فتعالج في إطار سياسي وتسوية تتضمن إصلاحات سياسية داخلية كبيرة، مع العلم أن غالبية القضاة في المحكمة الجنائية أجمعوا على عدم وجود أسباب كافية للاعتقاد بأن البشير تصرف بقصد إجرامي خاص لإهلاك جماعات وقبائل معينة في دارفور، ولذا لا يتضمن أمر الاعتقال تهمة الإبادة الجماعية.
____________________________
*كاتب صحفي سوداني وأستاذ جامعي

المصدر : الجزيرة