حسام شاكر

يغيب ملف اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة عن مقررات وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بشأن فلسطين، ومنها الوثيقة المطولة الصادرة في 17 يناير/كانون الثاني 2016؛ بما يعني أن حق العودة لا يستدعي اكتراثا به.

لا جديد في ذلك على أي حال؛ فالخطاب الرسمي الأوروبي يغض الطرف عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، كما هي الحال بالنسبة للأطراف الدولية الأخرى، كما يتضح في أدبيات اللجنة الرباعية الدولية -مثلا- التي تضم الاتحاد الأوروبي أيضاً، وهي مواقف تفترق بوضوح عن خطاب الحقوق والعدالة والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذاتها.

صحيح أن حق العودة راسخ قانونيا وثابت مبدئيا ومعزز حقوقيا، إلا أنه مستبعد من خطاب الواقعية السياسية في أوروبا، علاوة على الخطاب الرسمي الفلسطيني وبعض الخطاب العربي أيضا.

ينتصر الموقف الأوروبي في موضوع اللاجئين لفكرة "السلام"، وإن لم تتحقق فيه مبادئ الحق والعدالة، كما يتم تعظيم خيارات التسوية السياسية، ومن ضمنها التبادل السكاني على حساب حق العودة

سلام بلا حقوق
ينتصر الموقف الأوروبي في موضوع اللاجئين لفكرة "السلام"، وإن لم تتحقق فيه مبادئ الحق والعدالة، كما يتم تعظيم خيارات التسوية السياسية، ومن ضمنها التبادل السكاني على حساب حق العودة. ومن المألوف أن يجري الانطلاق من الأمر الواقع القائم مع السعي العملي لتثبيته وتأبيده ما دام أنه أقرب إلى "تحقيق السلام".

ينهض الموقف الأوروبي في هذا الشأن على مفاهيم غائرة في الوعي الجمعي والتجارب التاريخية لشعوب أوروبا ذاتها، فيتم مثلاً تقديم فكرة السلام على اعتبارات أخرى ذات صلة خلال السعي لحل الصراعات، كما تراكمت الأسبقيات التاريخية التي جرى فيها تجاوز مبدأ حق العودة لصالح خيارات بديلة مثل التسوية السياسية والإقرار بالأمر الواقع والتجاوز عن الماضي.

لقد تمّ في أوروبا ذاتها التضحية بحقوق جماعات من اللاجئين الأوروبيين في العودة إلى أرضهم وديارهم، في سبيل ما اعتُبرت أولوية مُلحّة في تثبيت سلام أو اتفاقات تسوية أو الإقرار بالأمر الواقع أو تحاشي نبش صراعات الماضي. فهذا ما جرى في حالات عدة ضمن البيئة الأوروبية ذاتها، في القرن العشرين وما سبقه، منها قضية تهجير الإثنية الألمانية من إقليم السوديت في تشيكيا بعد الحرب العالمية الثانية، التي ما زالت تطالب بالعودة إلى بلداتها وقراها، وقضية التبادل القسري للإثنيات بين تركيا واليونان، وقضية المهجّرين بين شطري قبرص، وكذلك في يوغسلافيا السابقة، على سبيل المثال.

وبصفة أكثر خصوصية، تبدي الأطراف الأوروبية حذرا من تبني مواقف مشمولة بالخطوط الحمراء المغلّظة بالنسبة للجانب الإسرائيلي، وما جرى على مدى أربعين سنة مضت هو التعويل الأوروبي على زحزحة مواقف الجانب الفلسطيني، أكثر من ممارسة ضغوط جادة على نظام الاحتلال.

ويبقى أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم قد تستثير، وإن بشكل غير معلن، قلقا إستراتيجيا لدى بعض الأطراف الأوروبية على مستقبل نظام الاحتلال، بالنظر إلى المعادلة الديموغرافية التي ستترتب عليها، خاصة مع الدعاية الإسرائيلية التي تحذر من مغبة "إغراق البلاد (فلسطين) باللاجئين".

زحزحة المواقف الأوروبية من حق العودة عن مواضعها تكتنفها صعوبة بالغة؛ لأنها مقيدة بمحددات يخضع لها المنظور الأوروبي نحو اللاجئين الفلسطينيين إجمالا

خيار الدولتين دون العودة
يخضع الموقف الأوروبي من حق العودة لمحددات ذات صلة بالموقف من قضية فلسطين إجمالا، بما فيها ملف اللاجئين. ولا يمكن تجاهل قابلية التأثر الأوروبي بالضغوط الإسرائيلية والمواقف الأميركية ذات الصلة، التي تترك تأثيرات شتى على بعض المواقف الأوروبية.

تدرك أوروبا أهمية إيجاد حل لقضية فلسطين، بما في ذلك ملف اللاجئين ضمنا، فتعلن دعمها جهود التسوية السياسية والمفاوضات، وتم اعتماد خيار الدولتين صيغة لحل قضية فلسطين، وبموجبه ينبغي أن يؤدي التفاوض إلى قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" على الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 أو ضمنها، "تعيش في أمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل"، ولا يشمل ذلك إنصاف اللاجئين الفلسطينيين أو تفعيل حقهم في العودة.

ليس من اليسير تحقيق نقلة نوعية في أوروبا الموحدة بخصوص ملف اللاجئين الفلسطينيين، فسياسة الإجماع والتوافق الأوروبية تضعف المبادرة في السياسات الخارجية، وتخضع الموقف الموحّد لتجاذبات الأسرة الأوروبية في اتجاهات متعددة، بما فيها الانحياز للاحتلال، كما دأبت عليه القيادة التشيكية أحيانا.

إنّ زحزحة المواقف الأوروبية من حق العودة عن مواضعها تكتنفها صعوبة بالغة؛ لأنها مقيدة بمحددات يخضع لها المنظور الأوروبي نحو اللاجئين الفلسطينيين إجمالا، ولا تنفي ذلك إمكانية التأثير النسبي في هذه المواقف، لكن يتطلب جهودا مكثفة وضاغطة، وسعيا جادا لتغيير بعض قواعد اللعبة، مع إطلاق مبادرات نوعية فعالة. ويبقى السعي لكسب تفهّم قطاعات من المجتمع المدني الأوروبي لحق العودة ودعمها له مطلبا لا غنى عنه، لكنه لن ينعكس غالبا على مواقف صانعي القرار.

ولا سبيل إلى ذلك دون تغيير نبرة الخطاب الرسمي الفلسطيني في توجهه إلى العالم، بما في ذلك الساحة الأوروبية ومربع الاحتلال. لكن من المستبعد الوصول إلى تحول كهذا مع الإبقاء على الخطاب السياسي المعتمد في الرسمية الفلسطينية على حاله الراهنة، فهو خطاب متفرع عن النهج السياسي القائم منذ ربع قرن على الأقل بكل ما أفضى إليه من انسداد في الأفق، كما يبقى هذا الخيار مُستبعداً تماماً مع استمرار القيادة الحالية الفلسطينية على حالها، حتى لو تغيرت الشروط الموضوعية المحيطة بها؛ فلا فرصة لهذا الخيار إلا مع التحول النوعي في نمط القيادة الرسمية الفلسطينية واختياراتها، أو عبر الضغط الشعبي والجماهيري المكثف والنوعي عليها في ملف اللاجئين، خاصة إذا صدر منها مزيد من المواقف ذات الشُبهة التفريطية بحق العودة.

وما يعين على إسماع أوروبا والعالم صوت حق العودة أن تتضافر جهود المجتمع المدني الضاغطة مع التحركات الشعبية القائمة مثل مؤتمرات فلسطينيي أوروبا. وسيكون على خطابات الساحة الفلسطينية أن تتماسك بصلابة بشأن حق العودة وألا تكتفي بالشعارات العامة. يتطلب ذلك مسارات من النقاش الوطني الفلسطيني قد تفضي إلى وثيقة جامعة أو ميثاق يحتشد فيه طيف عريض، لتأكيد التشبث بالحقوق غير القابلة للتصرف في هذا الملف، مع صياغة مطالب تفصيلية وخيارات عملية للتحرك.

وإن كان حق العودة هو واسطة العقد في قائمة الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرّف؛ فإنّ منظور الحقوق الثابتة يختلف عن "الواقعية السياسية" التي بعثت مرارا بإشارات التنازل عن هذا الحق الجوهري وإخضاع ملف اللاجئين لمنطق تسوية أوضاعهم وفق ترتيبات يتم التوصل إليها، أو تصريف أعدادهم في وجهات متعددة.

لن يؤدي تصريف اللاجئين الفلسطينيين في أصقاع العالم إلى تصفية قضيتهم العادلة؛ فالتجارب السابقة تؤكد أن الاستقرار في بيئة مريحة نسبيا يستنفر طاقات الفلسطينيين لخدمة قضيتهم بعد تحررهم من أعباء المأوى والقوت اليومي، وها هم الأحفاد يرفعون مفاتيح العودة من المنافي الأوروبية ويحملون مطالب شعبهم بإصرار منقطع النظير.

تبقى الحاجة قائمة لإنعاش الوعي بالمسؤولية الأوروبية في نشوء نكبة اللاجئين الفلسطينيين واستمرارها، ويجب تطوير خطاب المظلمة التاريخية وما يترتب عليه من استحقاقات عملية محددة على الأطراف الأوروبية

مسؤولية أوروبا
لا يغيب عن الأنظار هنا أنّ أوروبا متأثرة هي الأخرى بقضية اللاجئين الفلسطينيين وإن لم تلحظ ذلك، فقد تدفقوا إليها بعشرات الألوف مع نكبة فلسطينيي سوريا، بعد أفواج سبقت من فلسطينيي لبنان وغيرهم. إن استثارة الاهتمام بهذا الملف ضمن مسار التناول العام في أوروبا لملف اللجوء قد يكون خيارا لإنعاش الوعي بهذه القضية وتحفيز الاهتمام بإنضاج مقاربات عادلة تُنصف اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم، فحرمانهم من حقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم يفرض مزيداً من المآسي والسعي للبحث عن ملاذ آمن في أوروبا وغيرها.

تبقى الحاجة قائمة لإنعاش الوعي بالمسؤولية الأوروبية في نشوء نكبة اللاجئين الفلسطينيين واستمرارها، مع الحرص على أن تكون الاستجابات المنشودة من الأطراف الأوروبية بما يتوافق مع حقوق اللاجئين، لا سيما حق العودة؛ وتأسيساً على ذلك يجب تطوير خطاب المظلمة التاريخية وما يترتب عليه من استحقاقات عملية محددة على الأطراف الأوروبية.

ولا غنى أيضاً عن إنعاش الخطاب الفلسطيني في تفاعله من التطورات ذات الصلة، مثل نكبة فلسطينيي سوريا، ومحنة فلسطينيي لبنان. يتحقق ذلك -مثلاً- عبر ربط النكبات المتجددة بالنكبة الأولى وتذكير الدول الأوروبية المستقبلة للاجئين بمسؤولياتها نحو حقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم، مع إبراز هذه القضية في الفضاء الأممي.

خيارات تكتيكية
تتعدد الخيارات التكتيكية التي يمكن خوضها، ومنها بلوَرة مشروعات وبرامج ومبادرات عملية فعالة وجريئة تضغط لإنعاش الوعي في أوروبا والعالم بحق العودة الفلسطيني.

كما يجدر السعي لكسب تفهم دول أو تأييد أطراف بعينها ضمن الأسرة الأوروبية لموضوع حق العودة، أملا في إحداث تحوّل -ولو نسبيا- في تقديرها للموقف، بما قد يعين على تحريك ما للمواقف ضمن المشهد الأوروبي.

ورغم الصعوبة الموضوعية القائمة، فلا مناص من بحث خيارات الدفع باتجاه تبني قوى إقليمية ودولية مقاربات تنصف حق العودة الفلسطيني أو تُنعش الوعي بملف اللاجئين الفلسطينيين بما يخدم حق العودة، مثلا في الفضاء العربي والإسلامي والأفريقي واللاتيني. ولا شكّ أن تصويب المواقف الرسمية الفلسطينية في ملف اللاجئين وحق العودة من شأنه أن يعين على إنجاز إزاحة ما في هذا الاتجاه. إن الغرض الواقعي من ذلك هو السعي لتحريك نسبي في مواقف الأطراف بما يترك تأثيرات ما على المداولات الدولية ذات الصلة بملف اللاجئين وحق العودة.

وثمة حاجة لاستثمار أجواء القلق الإستراتيجي القائمة في العالم، لا سيما في حوض المتوسط، بتأثير الأزمات والصراعات والحروب ونزوح اللاجئين وصعود التشدد المسلّح. يقتضي ذلك السعي لوضع قضية اللاجئين الفلسطينيين في دائرة الاهتمام مع صياغة مقاربات للحلّ تستجيب لحقوقهم غير القابلة للتصرّف، ويقتضي هذا المسعى الحذر من استصحاب هذه القضية ضمن معالجات جائرة لتسوية أوضاعهم أو تصريفهم في أقاليم العالم على حساب حقهم في العودة.

أما خطاب العودة الفلسطيني في عمومه فيتطلب إنضاجاً عبر تطوير مطالب تفصيلية محدّدة يمكن التوجّه بها إلى الأطراف ذات الصلة أوروبياً ودولياً، مع تحاشي الاكتفاء بالشعارات الإجمالية أو المطالب التعميمية أو الاقتصار على اللغة القانونية المجردة.

ويبقى تصليب موقف اللاجئين الفلسطينيين خاصة والساحة الشعبية عموما ركيزة أساسية في صون حق العودة وترتيب تحركات فعالة تعبِّر عن ذلك.
________________________

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي متخصّص في الشؤون الأوروبية، ومدير مؤسسة "نيو إمباكت" للتواصل والإعلام والثقافة بفيينا وبروكسل.

المصدر : الجزيرة