جورج سوروس*

أصبحت سياسة اللجوء التي أسفرت عنها مفاوضات الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي مع تركيا نافذة في الرابع من أبريل/نيسان، عندما رحل 202 من طالبي اللجوء من اليونان. والواقع أن هذه السياسة تنطوي على أربعة عيوب جوهرية.

  • فقد فاوضت عليها مع تركيا وفَرَضَتها على الاتحاد الأوروبي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
  • وهي تعاني من عجز شديد في التمويل.
  • وهي ليست سياسة طوعية، لأنها تؤسس لحصص لا تحظى بقبول العديد من البلدان الأعضاء، وتُلزِم اللاجئين بقبول الإقامة في بلدان لا يريدون العيش فيها.
  • وهي تحول اليونان بحكم الأمر الواقع إلى حظيرة تجميع تفتقر إلى المرافق الكافية لاستيعاب طالبي اللجوء الموجودين هناك بالفعل.

كل هذه العيوب يمكن تصحيحها. وقد اعترفت المفوضية الأوروبية ضمنا ببعضها في السادس من أبريل/نيسان في إطار سلسلة من المقترحات لإصلاح نظام اللجوء في أوروبا. لكن مقترحات المفوضية لا تزال تعتمد على حصص إجبارية، ولن ينجح هذا أبدا. ويدعو النائب الأول لرئيس المفوضية فرانس تميرمانز إلى عقد مناقشة مفتوحة بهذا الشأن.

في اعتقادي أن سياسة اللجوء الشاملة الصالحة لأوروبا لابد أن تحدد هدفا سنويا ثابتا يمكن الاعتماد عليه يتراوح بين 300 ألف و500 ألف لاجئ. وهو عدد كبير بالقدر الكافي لطمأنة اللاجئين على قدرتهم على الوصول إلى مقاصدهم في نهاية المطاف، ولكنه مع ذلك صغير بالنظر إلى إمكان استيعابه، حتى في ظل المناخ السياسي غير المواتي اليوم.

سياسة اللجوء الشاملة الصالحة لأوروبا لابد أن تحدد هدفا سنويا ثابتا يمكن الاعتماد عليه يتراوح بين 300 ألف و500 ألف لاجئ. وهو عدد كبير بالقدر الكافي لطمأنة اللاجئين إلى قدرتهم على الوصول إلى مقاصدهم في نهاية المطاف

عرض وطلب
ولا تخلو مجالات أخرى من أساليب راسخة للتوفيق الطوعي بين العرض والطلب، مثل التوفيق بين الطلاب والمدارس وبين المتدربين الطبيين والمستشفيات. وفي حالة اللاجئين، يتعين على أولئك العازمين على الذهاب إلى مقصد بعينه أن ينتظروا لفترة أطول من تلك التي ينتظرها أولئك الذين يقبلون الوجهة المخصصة لهم. وربما يُطلَب من طالبي اللجوء المسجلين آنذاك أن ينتظروا دورهم حيث يوجدون حاليا.

وسوف يكون هذا أرخص كثيرا وأقل إيلاما من الفوضى الحالية التي يكون المهاجرون أول ضحية لها. أما أولئك الذين يتخطون دورهم فسوف يفقدون مكانهم، وهو ما ينبغي أن يكون حافزا كافيا لاحترام القواعد.

سوف تتطلب هذه الخطة ما لا يقل عن 30 مليار يورو سنويا. ويشمل هذا تزويد تركيا وغيرها من دول "خط المواجهة" بالدعم المالي الكافي للسماح للاجئين الذين يعيشون هناك بالعمل وإرسال أبنائهم إلى المدرسة، وإنشاء وكالة مشتركة للاجئين في الاتحاد الأوروبي وقوة لمراقبة الحدود، ومعالجة الفوضى الإنسانية في اليونان، ووضع معايير مشتركة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي لاستقبال ودمج اللاجئين.

لا شك أن الاتحاد الأوروبي لديه القدرة على جمع 30 مليار يورو سنويا على الأقل، وهو ما يعادل أقل من 0.25% من مجموع الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء الثماني والعشرين، الذي يتجاوز 16 تريليون يورو، وأقل من 0.5% من مجموع إنفاق حكوماته الوطنية. ويتمثل العنصر المفقود هنا في الإرادة السياسية. تمنع القواعد المالية في الاتحاد الأوروبي أغلب الدول الأعضاء من إدارة عجز أكبر وتمويله بإصدار ديون جديدة. ولهذا السبب، لم يُطرَح هذا الأمر أصلا، ناهيك عن النظر فيه بجدية.

عاجلا أو آجلا، سوف يستلزم الأمر فرض ضرائب جديدة للتعامل مع أزمة اللاجئين. ولن يكون تجميع صناديق تفتقر إلى الكفاءة عاما تلو الآخر كافيا لإنجاز المهمة. وعلى النقيض من هذا، سوف يساعد "التمويل الدافق" في تمكين الاتحاد الأوروبي من الاستجابة بقدر أكبر من الفعالية لبعض العواقب الأشد خطورة، من خلال المساعدة في تحويل الديناميكيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعيدا عن كراهية الأجانب والسخط ونحو نتائج إيجابية تعود بالفائدة على اللاجئين والدول على حد سواء. وهذا من شأنه أن يخفض في الأمد البعيد مجمل ما تنفقه أوروبا لاحتواء أزمة اللاجئين والتعافي منها.

والحجة قوية لصالح استخدام ميزانية الاتحاد الأوروبي لتوفير مثل هذا التمويل. فمع انخفاض أسعار الفائدة العالمية إلى مستوى الصِّفر أو بالقرب منه، يُصبِح الوقت الحالي مناسبا بشكل خاص لاستغلال التصنيف الائتماني الممتاز الذي يتمتع به الاتحاد الأوروبي. وينطوي هذا على ميزة إضافية تتمثل في توفير الحافز الاقتصادي الذي تشتد الحاجة إليه. كما تنطوي المبالغ المستغلة هنا على أهمية واضحة للاقتصاد الكلي، خاصة أنها سوف تنفق بشكل مباشر تقريبا وتخلف تأثيرا مضاعفا. فالاقتصاد المتزايد النمو من شأنه أن يزيد كثيرا من سهولة استيعاب المهاجرين، سواء اللاجئين أو المهاجرين لأسباب اقتصادية.

والسؤال هو كيف يمكن استخدام ائتمان الاتحاد الأوروبي الممتاز من دون إثارة المعارضة، وخاصة في ألمانيا؟ أولا، يتعين علينا أن ندرك أن الاتحاد الأوروبي مقترض ممتاز بالفعل. فأثناء أزمة منطقة اليورو، أنشأ الاتحاد الأوروبي أدوات مالية مثل آلية الاستقرار المالي الأوروبي، وآلية الاستقرار الأوروبي، وهي الأدوات التي كانت قادرة على تحقيق الاستفادة السريعة من عشرات المليارات من اليورو بشروط جذابة ميسرة.

استخدمت الحكومات على مر التاريخ السندات في الاستجابة للطوارئ الوطنية. فمتى ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يستغل تصنيفه الائتماني الممتاز إن لم يكن ذلك في لحظة يتعرض فيها لخطر مهلك؟

خطر محدق
ولابد من إعادة توجيه هذه الكيانات، التي تحتفظ بقدرة كبيرة على الإقراض، لتأمين التمويل الدافق اللازم لمعالجة أزمة اللاجئين. ومن المؤكد أن استخدام آلية قائمة، وإن كان ذلك لغرض جديد، أكثر فاعلية إلى حد كبير من إنشاء آلية جديدة. ولن يتطلب الأمر سوى القرار السياسي الذي يمكن اتخاذه في فترة بسيطة من دون تحضير طويل.

ولابد من تكريس مصدرين للمال: آلية الاستقرار المالي الأوروبي (لأعضاء منطقة اليورو)، ومرفق مساعدة ميزان المدفوعات (لأعضاء الاتحاد الأوروبي خارج منطقة اليورو). وكل من المصدرين تدعمه ميزانية الاتحاد الأوروبي بشكل كامل، ولا يحتاج الأمر بالتالي إلى ضمانات وطنية أو موافقة برلمانية وطنية. ويبلغ مجموع قدرة اقتراض المصدرين 110 مليارات يورو، وهو رقم يعادل العائد السنوي لميزانية الاتحاد الأوروبي.

الواقع أن قدرة إقراض مرفق مساعدة ميزان المدفوعات التي تبلغ 50 مليار يورو تكاد تكون غير مستخدمة على الإطلاق. وقد قدمت آلية الاستقرار المالي الأوروبي نحو 46.8 مليار يورو في هيئة قروض للبرتغال وإيرلندا ولكنها لا تزال تتمتع بقدرة فائضة كبيرة. وتتجاوز قدرة المصدَرين 60 مليار يورو، وتنمو هذه القدرة كل سنة مع سداد البرتغال وإيرلندا للقروض المستحقة عليهما.

وكما كانت الحال مع أزمة اليورو، تتطلب أزمة اللاجئين استجابة سريعة. ولكنها تختلف عن أزمة اليورو في أن الدول المستفيدة -الأردن، وتركيا، واليونان- تقع على الخط الأمامي لما يُعَد مهمة أوروبية جماعية. وتستحق هذه الدول المنح، ولا ينبغي إلزامها بسداد الأموال التي تتلقاها. بل يتعين على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بدلا من ذلك إيجاد مصادر جديدة للدخل الضريبي لسداد تكاليف هذا التمويل.

ومن الممكن أن يأتي العائد الضريبي الجديد من مجموعة متنوعة من المصادر، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة على مستوى الاتحاد الأوروبي كله، أو ضريبة خاصة على البترول، كما اقترح وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله، أو ضريبة جديدة على السفر داخل الاتحاد الأوروبي أو على طلبات الحصول على التأشيرة، التي من شأنها أن تحول بعض العبء إلى مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.

وبما أن استكمال عملية فرض ضرائب جديدة سوف يستغرق بعض الوقت، فسوف يكون حاملو السندات راغبين في التأكد من خدمة وسداد سنداتهم. ولهذا السبب يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يضمن قدرته على توليد العائدات الضريبية الجديدة وقتما تنشأ الحاجة إليها، حتى وإن كان المصدر المضبوط لم يحدد بعد.

ويظل التساؤل حول كيفية توليد الإرادة السياسية اللازمة قائما. لقد بُني الاتحاد الأوروبي على المبادئ الديمقراطية. وأعتقد أن أغلبية صامتة تريد الحفاظ على الاتحاد، حتى ولو لم يكن مؤسسة تعمل كما ينبغي لها تماما في الوقت الحال. وسوف ينصت إليهم قادتهم السياسيون إذا رفعوا أصواتهم.

إن أزمة اللاجئين تشكل تهديدا وجوديا لأوروبا. ومن غير المسؤول أن نسمح بتفكك الاتحاد الأوروبي بسبب الافتقار إلى التمويل اللازم لوضع الأزمة تحت السيطرة؛ بيد أن الافتقار إلى التمويل الكافي يُعَد العقبة الرئيسية التي تحول دون تنفيذ برامج ناجحة في البلدان الواقعة على الخط الأمامي. وقد استخدمت الحكومات على مر التاريخ السندات في الاستجابة للطوارئ الوطنية. فمتى ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يستغل تصنيفه الائتماني الممتاز إن لم يكن في لحظة يتعرض فيها لخطر مهلك؟

---------------------------

* رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس ومؤسسات المجتمع المفتوح.

المصدر : الجزيرة