رافاييل هَداس ليبيل

منذ الهجمات الوحشية التي شهدتها باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، احتدم جدال صاخب في فرنسا حول ما إذا كان من الواجب سحب الجنسية من أولئك المدانين بارتكاب جرائم إرهابية. وفي حين أن هذه الخطوة كانت ستمثل قيمة رمزية، فإنها أيضا كانت ستخلف أثرا عمليا محدودا. غير أن الخلافات الشديدة حول هذه القضية تظل طاغية على المناقشة بشأن موضوعات أعظم أهمية، مثل النمو الاقتصادي الهزيل وارتفاع معدلات البطالة، ومن المرجح أن تستمر هذه الحال.

طُرحت قضية المواطَنة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد ثلاثة أيام فقط من وقوع الهجمات، عندما أعلن الرئيس فرانسوا هولاند عن اتخاذ مجموعة متنوعة من تدابير الحماية ضد التهديدات الإرهابية، بما في ذلك تمديد حالة الطوارئ التي فُرِضَت ليلة الهجمات، لمدة ثلاثة أشهر. وفي تلك المناسبة، أعلن هولاند اعتزامه سحب الجنسية الفرنسية من أي فرد يحمل جنسية مزدوجة -بما في ذلك من ولِدوا على أرض فرنسا- في حال إدانته بمحاولة تقويض مصالح جوهرية للبلاد أو ارتكاب عمل إرهابي. (في السابق، كان الأفراد من ذوي الجنسية المزدوجة الذين اكتسبوا الجنسية الفرنسية من خلال التجنس أو الزواج فقط، هم الذين يمكن إصدار مثل هذا الحكم في حقهم).

وأشارت استطلاعات الرأي المبكرة إلى أن الأغلبية الساحقة من الفرنسيين يؤيدون اقتراح هولاند. ولكن مشروع القانون قوبِل بمعارضة شرسة من الدوائر الرئيسية في حزب هولاند الاشتراكي، وخاصة بين المثقفين وجماعات حقوق الإنسان، بل حتى المتنفذين داخل الحزب؛ وهو ما وضع هولاند في موقف سياسي حَرِج.

هل كان المنتقدون محقين إذن؟ الواقع أن حجتهم الأكثر عاطفية -أن مشروع القانون يميز بين المواطنين المزدوجي الجنسية والمواطنين الذين يحملون الجنسية الفرنسية فقط- ليست قوية بشكل خاص، ذلك لأن هذا التمييز قائم بالفعل، سواء تم تمرير مشروع القانون هذا أو لم يتم. وحتى المثال الذي ساقوه لتبرير هذا الانتقاد -تجريد اليهود من الجنسية الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، في ظل نظام فيشي- مثال خادع. ففي حين عانى اليهود قدرا مروعا من الاضطهاد لمجرد كونهم يهودا، فإن اقتراح هولاند يعاقب مجموعة بعينها من المجرمين المدانين.

سُن قانون يقضي بسحب الجنسية من المواطنين من ذوي الجنسية الفرنسية الألمانية والفرنسية النمساوية الذين تورطوا في أعمال الخيانة أو التمرد ضد فرنسا، وتم تطبيقه في نحو خمسمئة حالة، ولكنه أُهمِل بعد الحرب

نماذج
الحق أن تاريخ سحب الجنسية طويل في فرنسا. فقد سُن أول مرة في إطار قانون صدر عام 1848 بهدف معاقبة المواطنين الذين استمروا في مزاولة تجارة الرقيق، ولكن ذلك القانون لم يطبق قط. وفي عام 1915، سُن قانون آخر يقضي بسحب الجنسية من المواطنين من ذوي الجنسية الفرنسية الألمانية والفرنسية النمساوية الذين تورطوا في أعمال الخيانة أو التمرد ضد فرنسا، وتم تطبيقه في نحو خمسمئة حالة، ولكنه أُهمِل بعد الحرب.

ثم جاءت فترة سوء الاستخدام. ففي عام 1939 مع قدوم الحرب العالمية الثانية، أعيد استخدام القانون ضد أي مواطن فرنسي تصرف كمواطن لأي بلد آخر. وبحلول عام 1944، كان نظام فيشي جرد 15 ألف مواطن من جنسيتهم، بما في ذلك سبعة آلاف يهودي، واستبعد من المواطنة نحو 110 آلاف يهودي كانوا يعيشون في الجزائر التي كانت مستعمرة فرنسية في ذلك الوقت (مُنِح الجزائريون الجنسية الفرنسية في عام 1870). وفي عام 1945، أضيفت إمكانية تجريد الشخص من جنسيته الفرنسية إلى القانون المدني الفرنسي.

ولكن على الصعيد الدولي، قوبِلَت هذه العقوبة بالرفض. فقد أكَّد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد في عام 1948 على "حق كل شخص في التمتع بالجنسية، وعدم جواز حرمان أي شخص تعسفيا من جنسيته". وبعد عشر سنوات وقعت فرنسا -ولكنها لم تصدّق- على اتفاقية نيويورك التي حظرت صراحة تجريد أي فرد من جنسيته، وهي النقطة التي أعربت الحكومة الفرنسية عن تحفظات عليها. وفي عام 1998، عدلت فرنسا القانون المدني للسماح بتجريد من يحملون جنسية مزدوجة فقط من الجنسية، وبالتالي وفقت بين القانون الفرنسي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ويمثل هذا التغيير أصل حجة أكثر إقناعا ضد مشروع قانون هولاند، لأن هذا الإجراء لا يمكن تطبيقه إلا على عدد قليل للغاية من الناس، ولن يستخدم كوسيلة ردع. أي أن مشروع القانون باختصار لا معنى له نسبيا.

بطبيعة الحال، ربما يزعم المرء أنه لا يوجد -للسبب نفسه- أي مبرر لمعارضة تمرير مشروع القانون، ولكن المشكلة هي أن إدارة هولاند اقترحت تضمين معايير موسعة لسحب الجنسية في الدستور. والواقع أن هذه الخطوة -التي يرى بعض فقهاء القانون بما في ذلك وزير العدل الفرنسي السابق روبير بادينتر أنها غير ضرورية- كان المقصود منها ضمان عدم قدرة المجلس الدستوري في فرنسا أو السلطة القضائية الأوروبية على إلغائه، وقد صعبت هذه الخطوة الأمور على هولاند.

تتطلب الإصلاحات الدستورية دعم ثلاثة أخماس أعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، في جلسة مشتركة. وكان هذا يعني أن نجاحها يستلزم فوز هولاند بدعم أعضاء حزبه وأعضاء المعارضة. ولا يبدو في الوقت الحالي أنه قد يحصل على مثل هذا الدعم، مع انقسام الجانبين بشكل حاد حول هذه القضية.

فعلى جانب الاشتراكيين، نشأت تصدعات ضخمة تجسدت في القرار الذي اتخذته كريستيان توبيرا وزيرة العدل بالاستقالة، قبل أن تضطر إلى اتخاذ موقف لصالح مشروع القانون هذا. أما على جانب المعارضة التي تهيمن على مجلس الشيوخ، فيؤيد بعض الأعضاء -بما في ذلك الرئيس السابق نيكولا ساركوزي- مشروع القانون، في حين يعرب آخرون -مثل رئيس الوزراء السابق فرانسوا فيون- عن شكوك عميقة.

كان بوسع هولاند أن يتبع مسارا آخر أقل عُرضة للصراعات، والواقع أنه من الناحية الفنية لا يزال قادرا على ذلك. ولكنه تبنى موقفه هذا بعد ثلاثة أيام فقط من الهجمات الإرهابية، عندما شعر أن البلاد في حاجة إلى لفتة قوية من زعيمها تشير إلى عزمه القيام بكل ما يلزم لمكافحة الإرهاب ومعاقبة مرتكبيه. ولم يكن يتوقع الفتنة التي قد تنشأ عن هذا في بيئة سياسية مسببة للانقسامات بالفعل.

في هذه المرحلة، قد يكون من المستحيل تقريبا أن يتمكن هولاند من مناقضة موقفه أو حتى تخفيفه من دون الظهور بمظهر الضعيف. ورغم فطنته السياسية المعهودة، سقط هولاند في فخ سياسي لن يخرج منه أحد سالما، بصرف النظر عن مصير مشروع القانون.

----------
* رئيس قسم فخري في مجلس الدولة في فرنسا، وأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس.

المصدر : بروجيكت سينديكيت