آلاف الأطفال يقبع آباؤهم بالزنازين، لا يرونهم إلا من وراء سلك شائك، والمحظوظ من يمكث مع أبيه دقائق، فيخرج بتعبير عن وجع البعد. نفسيون للعلاجات الجماعية يدعون لمواجهة إرث الألم.

عبد الله حامد-القاهرة

لن يفارق المشهد مخيلة الطفل "خالد" عندما قفز من سريره فزعا منتصف الليل، ليجد أباه يُجر نحو عربة الترحيلات الكئيبة.

أما "عمار" فداهمت القوات غرفته الصغيرة وعبثت بألعابه ضمن ما داهمته بحثا عما يدين والده المعتقل.

وشاهدت "زينب" عمها الذي يشتري لها الشيكولاتة الفاخرة يرتعد بردا على باب بيت العائلة، ويداه مقيدتان خلف ظهره ريثما تفتش الشرطة الحاسوب الخاص به.

أتيحت أوقات للزيارة، فطالع الأطفال أمهاتهم يتعرضن للمهانة على بوابات السجن، من التعنت للتفتيش المبالغ فيه، للانتظار الطويل بطوابير الزيارة الشحيحة التي رأوا خلالها الحرمان من الحرية بعيون آبائهم.

 من بهو نقابة الصحفيين لأبناء مهنة البحث عن المتاعب السجناء (الجزيرة)

خطوط الألم
ومؤخرا، تجمعت أسر الصحفيين المعتقلين في بهو نقابتهم، وافترش أطفالهم الأرض بالأقلام وألواح الرسم، فصوروا آلامهم بألوان الحزن.

كان غالب الرسومات بسيطا، لكنه كاشف، فخطوط الألم واضحة فادحة، والاضطراب باد، وبعضهم اكتفوا بلصق صور آبائهم خلف خطوط متقاطعة كالقضبان التي يرون من خلفها آباءهم فعلياً.

"الوضع فادح، وأفدح منه الصمت عنه" وفق وصف الطبيب النفسي "أحمد عبد الله" الذي يدين "هذا التواطؤ المخزي بالسكوت عن معالجة ألم سترثه أجيال، كما حدث لشعوب أخرى".

في مؤتمر العلاجات النفسية الجماعية الذي عقد بالقاهرة مؤخرا، تناول محلل النفس الإسباني "جريجوريو أرمانثاس" انتقال صدمة الحرب الأهلية الإسبانية منذ الثلاثينات عبر الأجيال، مرورا بفترة الجنرال فرانكو وما بعدها، فالأطفال يختزنون مشاهد الكارثة، فيرثونها ويورثونها.

وحال أهل مصر شبيه بما جرى في إسبانيا خلال الحرب الأهلية، وفق تشخيص د. عبد الله، متوقعا انتقال الشرخ النفسي عبر الأجيال التي فتحت عيونها الصغيرة على البطش.

و"الآباء سجناء وقتلى، والأمهات ثكلى، والناس موتى، وأهل العلم ليسوا بأحياء، فهم في صمت مطبق، لا يأتي بخير" وفق د. عبد الله، رغم أنها "مسألة إنسانية قبل أن تكون سياسية، لكن كثيرين من المتخصصين بعلم النفس خائفون من أن يصيروا ضحايا للسلطة إذا اهتموا بأمر ضحاياها".

ابنة أحد أبناء المعتقلين السياسيين (الجزيرة)

شح الأبحاث
باءت بالفشل كل محاولات الجزيرة نت بحثا عن بحث علمي رصين يناقش المسألة، وكان آخر بحث أجرته الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2011 حول تأثيرات التغييرات السياسية على الأطفال في حالة الصدمة، ويقصد بها صدمة مشاهداتهم على شاشات التلفزيون لما جرى من أحداث سياسية عقب الثورة، مع توجيهات للآباء بكيفية التعامل معهم، ولكن الأطفال الآن يرون المأساة رأي العين والآباء سجناء، ولا بحث.

وكان من الطبيعي أن تكون الدراسة الوحيدة عن مثل الأوضاع الشبيهة فلسطينية حول "تأثير الاعتقال على أسر المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية" وأجراها عام 2011 مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب، المسألة قريبة إذن، وتوصلت إلى أن "مقدار تأثر الأطفال أعلى من البالغين" حيث إن "أطفال المعتقلين يعانون ذهنيا وسلوكيا، بتصرفات تتسم بالتهيج، ويكررون ألعابا تعبر عن الأوجه المختلفة للاعتقال، والمعاناة من الأحلام المزعجة والقلق والخوف".

ووفق الدراسة الفلسطينية، فالإناث أعلى من الذكور على مستوى التأثر النفسي، وتشير إلى أن معاناة غالبية أفراد أسرة المعتقل تعوق الاهتمام بالأطفال، مما يحتم "القيام ببرامج من شأنها الترفيه والاهتمام بهذه الفئة وخاصة في المدارس".

د. عبد الله يصنف الأطفال بأنهم بالفعل "الأكثر حساسية للتأثيرات الصادمة، وعلى الأهالي مراعاة ذلك، وخاصة عند زيارات آبائهم" ويرى ضرورة تنظيم فعاليات لتداول التجارب المؤلمة والتعبير عنها، فـ"مطالعة مآسي الآخرين تخفف من وقع المأساة الخاصة، ذلك أنهم ليسوا أول الضحايا، وحتى لا يجتروا المعاناة وحدهم". ويشير إلى أن "تجربة تلاميذ بالأرجنتين نالهم من البطش السلطوي مفيدة لحالات أطفال مصر الآن".

المصدر : الجزيرة