أمين عوض*

بات مارس/آذار شهرا يلفه الكثير من الحزن والألم، لما يذكرنا بما أصاب الشعب السوري من تشتت وحرمان وفقدان للأحبة.

إنني أكتب هذه الكلمات وأنا أعتصر ألما لرؤية أطفال في سن الخامسة ولدوا في الدول المضيفة، لا يعرفون عن بلدهم سوى اسمها. أستحضر اليوم دموع الرجال التي ذرفت لأنهم لا يملكون قوت أولادهم، أشعر بالمرارة لرؤية الأطفال والنساء وهم يفرون من خطر الموت في وطنهم نحو مصير قد يكون مشابها في عرض البحر الأبيض المتوسط.

لا أستطيع أن أتخيل مشاعر الأب الذي يقف مع أولاده أمام أبوابٍ موصدةٍ في أوروبا، ينتظرون أملا لعله يمنحهم حياة جديدة، ناهيك عن دموع الثكالى التي لا تنضب في انتظار خبر عن مصير قريب أو حبيب. إنها مأساة شعب بأكمله.

اليوم، نحن نتحدث عن أكبر أزمة إنسانية في القرن الحالي، فقد أدى النزاع في سوريا إلى تهجير الملايين من السوريين داخل وخارج بلدهم. فهناك أكثر من 4.8 ملايين لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية في دول الجوار (نصفهم من الأطفال)، بالإضافة إلى مئات الآلاف في أوروبا، كما نزح أكثر من 6.6 ملايين شخص داخل سوريا.

إن عدد اللاجئين في البلدان المجاورة لسوريا تضاعف عشر مرات مقارنة مع ما كان عليه في عام 2012، بالإضافة إلى عبور أكثر من 15 ألف طفل منفصلين عن ذويهم الحدود السورية، ومنها إلى دول الجوار. إنه وجع الإنسان ومرارة اللجوء وغربة الوطن.

وفي هذه المناسبة الحزينة، وهي حلول الذكرى الخامسة على الأزمة السورية، لا بد أن نتذكر أننا نتحدث عن سوريا التي كانت -لوقت قريب- تعرّف بأنها ثاني أكبر مضيف للاجئين في العالم (بعد باكستان).

يجب أن نتذكر أننا نتحدث عن الشعب السوري الذي احتضن اللاجئين من بلدان مختلفة في المنطقة وما وراءها. لقد فتحت البيوت والمدارس والمستشفيات أبوابها، وأمسى اللاجئ في سوريا يتمتع بالكثير من الحقوق التي يتمتع بها المواطن السوري. ولكن، قدّر للسوريين أن يعيشوا هذه المحنة ويهجّروا قسرا هربا من الموت.

اليوم أصبحت سوريا أكبر مصدّر للاجئين (ممن هم تحت ولاية مفوضية اللاجئين) والنازحين في العالم، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من نصف الشعب السوري ما بين لاجئ ونازح.

تدخل الأزمة الإنسانية السورية عامها السادس ونحن أمام تحديات حقيقية تمس مستقبل حماية ومساعدة السوريين، سواء في داخل سوريا أو خارجها. فبعد خمس سنوات من الأزمة، لا بد أن نقف أمام أهم التحديات التي يواجهها اللاجئون السوريون، ونواجهها نحن في المنظمات الدولية العاملة في الحقل الإنساني في التعاطي مع هذه الأزمة.

تقييد فرص الحصول على العمل بشكل رسمي يعتبر الهاجس الأكبر لدى اللاجئين في كل من لبنان ومصر والأردن. وفي العراق، تتضاعف المأساة بسبب منافسة النازحين العراقيين على الوظائف وسوق العمل في منطقة كردستان العراق

اللاجئون بالجوار
لاحظنا خلال العامين الحالي والماضي وصول مئات الآلاف من السوريين إلى أوروبا. وإذا نظرنا مليا في الأسباب التي تدفع اللاجئين السوريين للمخاطرة بحياتهم وحياة أسرهم إلى أوروبا، نجد أن هناك أمورا جوهرية وظروفا حقيقية تدفع اللاجئين السوريين بدول الجوار للتفكير بل المخاطرة بأغلى ما يملكون -وهو حياتهم- والذهاب إلى أوروبا.

فبعد خمس سنوات من حياة اللجوء والتهجير، نجد أن ما كان بحوزة هؤلاء من أموال ومدخرات نفد تماما، حيث يعيش لاجئون كثيرون في المنطقة في ظروف يائسة، ويصارعون لتسديد الإيجار وإعالة أسرهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية.

ضائقة العيش
إن تقييد فرص الحصول على العمل بشكل رسمي يعتبر الهاجس الأكبر لدى اللاجئين في كل من لبنان ومصر والأردن. وفي العراق، تتضاعف المأساة بسبب منافسة النازحين العراقيين على الوظائف وسوق العمل بمنطقة كردستان العراق. كما أن انخفاض أسعار النفط أدى إلى تراجع العمل في مواقع البناء في المنطقة. ولا يحصل عشرات الآلاف على فرصة الحصول على المساعدات النقدية، الأمر الذي يؤثر على مستوى معيشتهم.

في لبنان مثلا، يعيش 70% من اللاجئين تحت خط الفقر البالغ 3.84 دولارات أميركية في اليوم، بعد أن بلغت نسبتهم 50% عام 2014، في حين أن 39% لا يتمكنون من الحصول على الرعاية الطبية الضرورية بسبب تكاليف العلاج والدواء المرتفعة. وفي الأردن، يعيش 86% من اللاجئين المقيمين خارج المخيمات تحت خط الفقر الوطني البالغ 96 دولارا أميركيا في الشهر، وهم يصنفون من الأشخاص الأكثر ضعفا. أما في مصر، فإن أكثر من 80% من اللاجئين الذين قيمتهم المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي يعيشون في ضعف شديد.

التعليم في خطر
تعتبر فرص التعليم محدودة بالنسبة إلى الأطفال من اللاجئين السوريين ممن هم في عمر الدراسة، في كل من الأردن ومصر ولبنان والعراق.

لا يختلف اثنان على أهمية التعليم بالنسبة للسوريين الذين كانوا يحصلون عليه مجانا في بلادهم قبل الحرب. اليوم هناك أكثر من سبعمئة ألف من الأطفال السوريين اللاجئين في سن الدراسة غير مسجلين في المدرسة.

ففي الأردن مثلا، يترك حوالي 20% من الأطفال المدرسة للعمل، وفي بعض الحالات تُجبر الفتيات على الزواج المبكر. وفي لبنان -حيث التعليم مجاني للسوريين بموجب نظام مدرسي بدوامين- يعاني الكثير من الأطفال للحضور، أو يجدون صعوبة في المنهاج الجديد، ويعملون في الوقت نفسه لإعالة أسرهم. وفي حين أن وزارة التعليم رفعت عدد الأماكن المخصصة للأطفال السوريين بنسبة 100%، إلا أنه لن يتمكن مئتا ألف طفل سوري آخر من الذهاب إلى المدرسة هذا العام.

آمالنا معقودة على التعهدات التي أبرمت في مؤتمر المانحين في لندن من أجل توفير فرص تعليم جديدة للأطفال.

أوضاع قانونية صعبة
فرضت بعض دول الجوار قيودا على حركة اللاجئين السوريين، وفرضت أنظمة صعّبت بموجبها الحصول على اللجوء.

ففي لبنان مثلا، يتعين على اللاجئين الموجودين في البلاد دفع مبلغ مئتي دولار أميركي سنويا لتجديد إقامتهم، كما يتعين عليهم توقيع تعهد بعدم العمل وتقديم عقد إيجار مصدق. ويخشى لاجئون عديدون من التوقيف أو الاحتجاز، ويشعرون بالضعف بسبب تأشيرات الإقامة المنتهية الصلاحية، مما أدى إلى ارتفاع عدد السوريين العابرين من لبنان إلى تركيا.

وفي الأردن، تطرح الحكومة أنظمة تحقق خاصة باللاجئين السوريين بهدف ضمان حصول جميع السوريين المقيمين خارج المخيمات على مستند هوية جديد للاستفادة من الخدمات، بالإضافة إلى فرض تكلفة صحية (42 دولارا أميركيا لمن تتخطى أعمارهم 12 عاما) للحصول على شهادة صحية.

نقص التمويل
تواجه برامج المساعدة للاجئين والمجتمعات المضيفة في المنطقة نقصا دائما في التمويل. فخطة الاستجابة الإقليمية لدعم اللاجئين وتمكين المجتمعات المضيفة لعام 2015 على سبيل المثال، حصلت على تمويل بنسبة 55% فقط، مما تسبب في تخفيض المساعدات الغذائية لآلاف اللاجئين، بينما يتعين على من يحصلون عليها العيش على دخل مقداره ما بين 0.45 و0.5 دولارا أميركيا في اليوم.

إذن أصبح اللاجئون في الدول المجاورة أضعف من أي وقت مضى، وهم يقومون بالمزيد من المخاطرة في البحث عن أمل والبقاء على قيد الحياة. فبعد خمس سنوات من المستقبل الغامض، يفقد الكثير من اللاجئين الأمل وتتنامى لديهم مشاعر اليأس والقنوط. والأخطر من ذلك، يضطر اللاجئون إلى اعتماد إستراتيجيات سلبية للبقاء على قيد الحياة، كعمل الأطفال وإخراجهم من المدرسة والتسول والاعتماد على الجنس من أجل البقاء.

فرضت بعض دول الجوار قيودا على حركة اللاجئين السوريين، وفرضت أنظمة صعبت بموجبها الحصول على اللجوء

ضياع الأمان
يواجه اللاجئون الفارون من الصراع عقبات أكبر في إيجاد الأمان، وتأتي هذه المرحلة القاتمة وسط تشديد الإجراءات على حدود البلدان المجاورة التي تعاني من أعباء اقتصادية واجتماعية جمة نتيجة إيواء هذا العدد الكبير من اللاجئين، الأمر الذي يؤدي إلى محاصرة آلاف الأشخاص الضعفاء داخل الحدود السورية لعدم مقدرتهم على مغادرة البلد.

كذلك، فإن الدول الأوروبية التي رحبت في الماضي بالدخول الإنساني للاجئين السوريين إلى أراضيها، ها هي اليوم تغلق أبوابها أمام اللاجئين الباحثين عن الأمان، بل تفرض بلدان عديدة مزيدا من القيود وتعرقل عبور الأشخاص من اليونان.

هناك أمل
نحن ننظر بإيجابية لوقف الأعمال العدائية في داخل سوريا لأن ذلك يشكل بصيص أمل للعائلات السورية، حيث قدم للعاملين في المجال الإنساني إمكانية المساعدة في المناطق المحاصرة التي يصعب الوصول إليها والتي لم نتمكن من الوصول إليها من قبل. ونأمل في أن يكون ذلك بداية لتحسين إمكانيات تقديم المساعدات الإنسانية داخل سوريا.

لقد تم الوصول مؤخرا إلى عشر مناطق محاصرة من أصل 18، وتقديم المساعدة إلى ثلاثمئة ألف شخص. وبالتأكيد هنالك الكثير مما يجب القيام به، وثمة الكثير من المناطق التي يجب الوصول إليها والتي يعيش فيها أشخاص في أمس الحاجة إلى المساعدة.

إن المانحين الحقيقيين هم الحكومات والشعوب في الدول المجاورة، والذين ما فتئوا يقدمون الدعم للاجئين السوريين على مدار السنوات الخمس الماضية.

في الوقت ذاته، نجد أن من غير المنصف أن تبقى الدول المضيفة بمفردها تحمل الأعباء على عاتقها، إذ لا بد أن تتقاسم الدول والحكومات حول العالم المسؤولية مع الدول المجاورة. لذا، فإننا بصدد استضافة مؤتمر دولي رفيع المستوى في 30 مارس/آذار في جنيف، يدعو الحكومات إلى رفع مستوى الأماكن الموفرة للسوريين. وحتى الآن، تعهدت الحكومات حول العالم بتوفير حوالي 170 ألف فرصة، ونأمل في رفع هذا العدد في الأعوام القليلة المقبلة ليشمل على الأقل 10% من اللاجئين في المنطقة.

خلال السنوات الخمس الماضية، أبدى المانحون سخاء كبيرا تجاه الأزمة الإنسانية السورية بتمويل تجاوز سبعة مليارات دولار منذ بداية الأزمة وحتى الآن، حيث استضافت دولة الكويت ثلاثة مؤتمرات للمانحين من أجل سوريا.

يبقى الدعم المالي المقدم عاملا مهما ومرتكزا أساسيا من حيث توفير الخدمات الإنسانية الأساسية للاجئين، من مأوى وصحة وتعليم وغذاء ومياه صالحة للشرب ودعم نفسي واجتماعي، وذلك بالتنسيق والتعاون مع شركائنا. وبالنظر إلى حجم الاحتياجات الإنسانية الملحة للاجئين السوريين في دول الجوار، نجد أن الخدمات المقدمة غير كافية.

وعلى الرغم من أن تعهدات المانحين المرحب بها للنداء الإنساني والإنمائي لعام 2016 في لندن بلغت 5.9 مليارات دولار أميركي، فإنه يتعين الوفاء بهذه المبالغ بصورة عاجلة وتقديم أشكال أخرى توازيها من التضامن الدولي، كتحسين إمكانيات الوصول إلى سبل كسب العيش والتعليم لغالبية اللاجئين في البلدان المجاورة، وتعزيز تقاسم المسؤوليات من قبل المزيد من البلدان حول العالم.

وعلى الرغم من حيويتها، تبقى المساعدات الإنسانية عاجزة عن تقديم حل حقيقي للاجئين. المساعدات الإنسانية هي بمثابة برامج مؤقتة تمكن اللاجئين من الاستمرار والبقاء على قيد الحياة إلى حين إيجاد حلول دائمة.

إن الحل يبقى دائما حلا سياسيا. وفي هذا المقام، لا يسعني إلا أن أناشد المتحاورين في جنيف أن يضعوا مصلحة شعبهم ومستقبله نصب أعينهم من أجل التسريع في وضع حد للمعاناة الهائلة التي يتكبدها الشعب السوري.

نحن أمام لحظة الحقيقة من أجل زرع الأمل في قلوب الملايين ممن هجروا وغادروا ديارهم قسرا.

-------------------
* مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المنسق الإقليمي للاجئين لسوريا والعراق في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

المصدر : الجزيرة