عبد الله حامد-القاهرة

ركلة دون رحمة في ظهر عبد الرحمن دفعته إلى "الثلاجة"، الاسم المتداول لغرفة الاحتجاز المؤقت في قسم الشرطة، ذات الجدران الكئيبة التي تتقارب حتى تكاد تخنق ساكنيها.

يومان قضاهما عبد الرحمن في "الثلاجة" التي يتجمد الوقت فيها، ولم يكن ذلك أسوأ ما سيواجهه، فقد استدعي بقسوة مفرطة إلى التحقيق بتهمة التجمهر، ليكتشف أن عليه الإدلاء بمعلومات لم يكن يعلمها أصلا.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول عبد الرحمن "أهلي لم يكونوا على علم بمكان احتجازي، ولاحقا بدؤوا زيارتي بانتظام لقرب المكان".

ولم تختلف تفاصيل أول يوم سجن في القسم عند "أبو سمية"، فالصفعات واللكمات "احترافية، تؤلم ولا تصيب بجراح"، ثم تصاعد الأمر إلى التعليق على باب الغرفة لحمله على الاعتراف وفق روايته.

يقول أبو سمية الذي أنهك السب أعصابه "بأحط الألفاظ والتهديد بتلفيق التهم والتلويح باستدعاء الزوجة لاغتصابها"، إنه "لم يكن هناك أي شيء فعلا زيادة على ما قلته لهم".

تشترك الشهادات كافة في أن أصعب الأيام بداياتها، ثم تمضي الحياة في أماكن الاحتجاز بالأقسام بتفاصيلها المرة، حيث "دخول دورة المياه بالدور وبمبلغ مالي محترم".

ضيق الأماكن وسوء التهوية سمة مميزة للأقسام، إذ ينام المحتجزون بالتناوب وعلى جانب واحد، على "عكس رحابة السجون التي تتيح للمعارض التقلب بجنبيه على جمر القيد والقهر".

أحمد أبو زيد: أمضيت 18 ساعة واقفا في زنزانة مكتظة (الجزيرة)

شراء الزيارة
ولا يخفف من معاناة سجين القسم سوى زيارة أهله مرات أكثر، لكنه يكتشف عند الإفراج عنه لاحقا، أن أهله كانوا يخفون عنه أنهم استدانوا لكي يشتروا دقائق رؤيته المعدودة من السجان، وأن المال الذي أُرسل له لم يبلغه كله، فقد تقاسمه معه سجانه.

أما ألم الأهالي فتتباين درجته بحسب قسوة سجاني القسم، غير أنه إذا لم يكن من الحبس بد "فالأفضل أن يكون في قسم الشرطة القريب"، كما تقول رقية شقيقة أحد المحبوسين بتهمة الانتماء لجماعة محظورة.

وتضيف رقية: وحتى لو كان وقت الزيارة دقائق، فإن الاطمئنان على السجين أسبوعيا وإرسال ما يحتاجه يوميا يخفف ألم الأم.

ويوفر الحبس في الأقسام لأسر المحبوسين تكاليف الانتقالات الكبيرة التي يتكبدها الآخرون، ممن يزورن أبناءهم بالسجون الملقاة في الصحراء.

ورغم مشقة هذا البديل وتكلفته الباهظة، تفضله السيدة المسنة سعدية التي يقبع ابنها في سجن وادي النطرون، رغم مئات الكيلومترات التي تقطعها لرؤيته، فهي تحب راحته في السجن على تعبها عند زيارته.

تمكث الحاجة سعدية مع ابنها مدة أطول عند الزيارة، وتبتهج عندما تراه قادما وقد نام ملء جفونه، "فهو لم يكن ينام كفاية طوال شهور حبسه في القسم".

الباحث والحقوقي أحمد أبو زيد له تجربة مرة حكى للجزيرة نت تفاصيلها بأسى، قائلا "المكان الذي يمكن أن يتمدد عليه سجين واحد ينام فيه أربعة سجناء".

ناصف: الاحتجاز فترات طويلة في الأقسام مخالف للقوانين (الجزيرة)

اكتظاظ الزنازين
ويتذكر أبو زيد أن زنزانة مساحتها أربعة أمتار تخنق أكثر من تسعين سجينا ما بين سياسي وجنائي، "وهو أمر متعمد".

ووقف أبو زيد -الذي اقتيد من الشارع في اعتقال عشوائي- لمدة 18 ساعة على قدميه بالزنزانة المذكورة، ورأى أن الرفاهية هناك هي أن تمتلك ما يمكنك من "استئجار السنتيمترات القليلة التي ينام عليها".

ورصدت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات اعتقال حوالي 23 ألف مواطن خلال عام 2015، لا يزال أغلبهم رهن الحبس الاحتياطي في الأقسام، رغم ارتفاع عدد السجون من 42 سجنا إلى 51 بعدما نشطت الحكومة في بناء تسعة سجون جديدة في الفترة الأخيرة.

وانتقد التقرير الحقوقي فتح مدد الحبس الاحتياطي دون سقف، وهو ما يخالف نص المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، بحسب المحامي أسامة ناصف.

ويؤكد ناصف للجزيرة نت أن الاحتجاز في الأقسام غير قانوني، فضلا عما يشهده من انتهاكات تبدأ من حبس السياسي مع الجنائي، وتكدس المساجين في غرف سيئة التهوية تساعد على انتشار الأمراض، وفرض الإتاوات والتعذيب المفضي إلى القتل أحيانا، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة