سعيد نمسي-كاليه

الثامنة والنصف صباحاً، في درجة حرارة قريبة من الصفر، وتحت سماء على وشك الإمطار، معسكر كاليه في أقصى شمال فرنسا يصارع النعاس.

الأزقة الترابية موحلة وشبه خالية، والتعب والبرد لا يلهمان أجساد مَن شقوا الليلة الماضية في مخاتلة الشرطة والحراس والكلاب والآلات الإلكترونية للاندساس في البواخر والقطارات القاصدة بلد حلمهم، بريطانيا.

في هذا الصباح الصحفيون أكثر من المهاجرين في الأزقة، ذلك لأن المعسكر يشغل بال فرنسا وبريطانيا وبلجيكا منذ أسابيع، ففرنسا تحاول إرضاء يمينها المتطرف، وبريطانيا أيضاً حتى لا ينسحب رئيس وزرائها ديفد كاميرون من الاتحاد الأوروبي، متذرعا بأسباب منها تدفق الهجرة.

وأغلقت بلجيكا حدودها المجاورة خوفا من قدوم هؤلاء اللاجئين؛ ولذا شددت الشرطة الرقابة على الميناء والقطار العابر لنفق بحر المانش. واليوم عندما يصل إلى لاجئي المعسكر خبر نجاح أحدهم في التسلل إلى بريطانيا تتعالى التكبيرات والهتافات، ولكن هذه "الانتصارات" أصبحت نادرة. يقول محمد شاب (يُعرف نفسه بأنه كويتي) إنه حاول التسلل أكثر من 150 مرة، دون جدوى.

جانب من معسكر كاليه في يوم ماطر (الجزيرة)

أمراض وحزن
توضح ميليسا مسؤولة مركز العلاج التابع لمنظمة أطباء بلا حدود أن أهم الأمراض المنتشرة هنا هي الأمراض الجلدية والإسهال. وتقول إن اللاجئين تحت وطأة الحزن، وقد أقدمت السلطات قبل أيام قليلة على تحطيم جزء من المعسكر لتقيم مركزا للإيواء محاذيا للمعسكر به مئة حاوية مهيأة، وهي بالتأكيد لا تكفي آلاف اللاجئين الموجودين.

بالقرب من كنيسة خشبية أرثوذوكسية سُمِّيت كنيسة القديس ميخائيل، تتعالى منها أناشيد دينية، قال تلمون -شاب إريتري موجود هنا منذ أشهر- "لا مستقبل لنا هنا، والحل يكمن في الولوج إلى رصيف الميناء والتخفي في باخرة قاصدة بريطانيا، البلد الذي يسهل الحصول فيه على أوراق الإقامة وحيث يوجد أهلنا".

وعلى بعد أمتار من شاحنة صغيرة كانت تشحن البطانيات التي أفسدتها مياه الأمطار يقف الأفغاني عزيز خان كل يوم تقريبا، يحاول هذا الجندي الأفغاني السابق، وهو أب لثلاثة أطفال، التسلل إلى الميناء أو القطار، ولكن مسعاه خاب حتى الآن. وماذا سيكون رد فعله لو أزالت السلطات المعسكر؟ "لا يسعني إلا التوجه إلى الله، فأنا أستطيع أن أنام في الشارع، ولكن كيف ستتصرف العائلات الموجودة هنا؟"

متطوع في جمعية خيرية يعلم المهاجرين اللغة الفرنسية (الجزيرة)

خوف ورجاء
في الوقت الحاضر تبقى آمال 3400 لاجئ بالمعسكر -بينهم 450 قاصرا حسب الجمعيات الإنسانية وألف شخص حسب السلطات الفرنسية- معلقة على قرار العدالة الفرنسية التي ستبت في أمر إبقاء أو إجلاء المعسكر. القاضية التي سبق لها منذ أشهر أن أمرت السلطات بتجهيز المعسكر بصنابير ماء ومراحيض، قررت الانتقال إلى عين المكان قبل أيام، وأرجأت قرار البت في مصير المعسكر، وقد يتم ذلك بعد أيام أو بعد انقضاء فصل الشتاء الذي يمنع فيه القانون الفرنسي طرد السكان من بيوتهم.

وفي انتظار ذلك، تشقى الجمعيات الخيرية الفرنسية والأوروبية في تلطيف مرارة الحياة في المعسكر، واليوم توجد بالمعسكر مدرسة ومكتبات ومسرح وغيرها، ولولاها لكانت الكارثة. يقول باكو -أحد المتطوعين- "أخجل من كوني فرنسيا عندما ألاحظ سياسة الحكومة التي تزداد قسوة ضد هؤلاء المهاجرين. وفي المقابل، فإن الأمور جيدة في المجال الإنساني الذي تتكفل به الجمعيات.

المصدر : الجزيرة