يذهب إسحاق هيرزوغ إلى حد إعلان أنه في حال وصوله للسلطة سيستخدم أسلوب "القبضة الحديدية"، ومن ضمن ذلك إغلاق الإذاعة والتلفزيون الفلسطينيين، وضمان عدم وجود اتصالات تتيح للفلسطينيين استخدام الهاتف الجوال والإنترنت.

نيف غوردون*

منذ أسابيع، وفي مركز دراسات الأمن القومي في تل أبيب، عرض رئيس حزب العمل الإسرائيلي إسحاق هيرزوغ رؤيته عندما قال مخاطبا الحضور إنه "يتمنى أن ينفصل عن الفلسطينيين قدر المستطاع بأسرع وقت ممكن".

وأكمل هيرزوغ كلامه بالقول "سوف نشيد جدارا ضخما بيننا. هذا هو التعايش المتاح حاليا.. آرييل شارون.. لم يكمل المهمة. نريد نحن أن ننجزها، وأن نكمل الحاجز الذي يفصل بيننا وبينهم".

وإذا تفحصنا خطة حزب العمل بعناية أكثر، فإن الأمر المؤلم الذي سيبرز أمامنا هو أن مفهوم "نحن هنا، وهم هناك" لا يركز على سحب القوة الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية، بل إنه سبيل ملتوٍ لتكريس المؤسسة الاحتلالية الاستعمارية بشكل أعمق.

إن الرسالة الضمنية التي يرسلها هيرزوغ مفادها استحالة قيام حل الدولتين في الوقت الحاضر. ولكنه في الوقت نفسه، هو أيضا معارض وبتعنت لحل الدولة الواحدة، حيث يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون سواسية. إن هدفه هو ترسيخ خطة تضمن استمرار الدولة اليهودية التي يعيش فيها حوالي خمسة ملايين فلسطيني.

فمن جهة، إسرائيل يجب ألا تتخذ أي خطوات من شأنها تهديد حل الدولتين لأن استمرار هذا الحلم هو أمر جوهري لمنع الحل البديل ألا وهو دولة ديمقراطية بين وادي الأردن والبحر المتوسط حيث يتمتع الفلسطينيون واليهود على السواء بمواطنة كاملة. ومن جهة أخرى، يدرك هيرزوغ أن حل الدولتين لم يعد خيارا متاحا. لذلك، فهو يطرح ملامح خطة هي في الحقيقة تحمل صفات نظام الفصل العنصري (في إشارة إلى نظام الفصل العنصري الذي كان يفرضه حكم الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا حتى عام 1994).

يدرك هيرزوغ أن حل الدولتين لم يعد خيارا متاحا. لذلك، فهو يطرح ملامح خطة هي في الحقيقة تحمل صفات نظام الفصل العنصري

فصل فعال
إن حيثيات خطة الفصل العنصري التي قدمها حزب العمل ليست جديدة في واقع الحال، إلا أن حقيقة تقديمها بشكل وثيقة مكتوبة يعتبر خطوة خطيرة في تكريس شرعنة حكم الفصل العنصري.

إن الخطة تروج بشكل لا يستحي لما يمكن وصفه بـ "البانتوستان" الفلسطيني (في إشارة إلى مناطق العزل التي كان نظام جنوب أفريقيا العنصري يحشر فيها السود ويعزلهم عن العالم). ويشير هرتزوغ إلى أن الفلسطينيين سوف يتمتعون بحكم ذاتي أكبر في المناطق (أ) و (ب) التي تشكل حوالي 40% من مساحة الضفة الغربية. يقول هرزوغ "سوف يكون للفلسطينيين حرية كاملة في الشؤون المدنية ولكن ليست العسكرية منها، وسوف يكون باستطاعتهم بناء مدن جديدة وتوسعة المدن الحالية وأن يطوروا الزراعة والصناعة وسوق العمل".

ولضمان ترسيخ تقسيم الضفة الغربية إلى أرخبيل فلسطيني، تركز الخطة على أهمية إنجاز جدار الفصل حول التجمعات الاستيطانية في الضفة لأنها بالنسبة إلى هرزوغ ستظل دائما تحت السيادة الإسرائيلية و"سوف لن تكون جزءا من الحل النهائي".

ومن أجل التخلص من الفلسطينيين الذين يقيمون في إسرائيل ويحملون هويات إسرائيلية، فإن هيرزوغ يتبنى أسلوب عزل القرى الفلسطينية عن القدس. وكما عبر عن ذلك بكلماته "العيسوية ليست ولن تكون جزءا من عاصمة إسرائيل الأبدية (القدس). وهي ليست جزءا من مخيم شعفاط. سوف نقوم بفصلها عنهم. سوف نشيد جدارا. الإرهابيون لن يستطيعوا الوصول إلى اليهود. أولئك الذين يريدون كسب لقمة العيش وليس طعن الناس، سوف نترك أمرهم إلى المؤسسة الدفاعية".

وفي النهاية، ونسبة إلى هيرزوغ فإن الجيش الإسرائيلي يجب أن يستمر بإبقاء الضفة الغربية في قبضته.

أما بالنسبة لغزة، وبحسب كلمات هيرزوغ "سوف لن يكون لهم أي حصانة، وفي مقابل كل هجوم سوف يدفعون ثمنا باهظا. ولا يعني ذلك قصف غبيا للمناطق الخالية".

وعلى هذا الأساس، يوجه هيرزوغ انتقاداته لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويصفها بأنها لينة جدا مع الفلسطينيين وأن حكومة الليكود لا تقصف غزة بالحقيقة، بل تستهدف المناطق الخالية فقط.

وذهب هيرزوغ إلى حد إعلان أنه في حال وصوله للسلطة فسوف يستخدم أسلوب "القبضة الحديدية". ومن ضمن ذلك إغلاق الإذاعة والتلفزيون الفلسطينيين، وضمان عدم وجود اتصالات تتيح للفلسطينيين استخدام الهاتف الجوال والإنترنت.

يوجه هيرزوغ انتقاداته لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويصفها بأنها لينة جدا مع الفلسطينيين وأن حكومة الليكود لا تقصف غزة بالحقيقة، بل تستهدف المناطق الخالية فقط.

أسلوب البانتوستان
وإذا نظرنا لخطة حزب العمل عن كثب، فإن الأهداف من ورائها سوف تتضح أمامنا بشكل صارخ: بما أنه من الصعب تصور دولة فلسطينية في المستقبل المنظور فإن على إسرائيل ألا تشعر بالحرج من اللجوء إلى استخدام أسلوب البانتوستان.

ومن المهم أن نتذكر أن البانتوستان في جنوب إفريقيا كانت توصف على أنها تتمتع "بحكم ذاتي" وأن الأفارقة الذين كانوا يعيشون فيها لم تصرف لهم وثائق جنسية جنوب إفريقية، ولذلك لم يتمتعوا بالحقوق السياسية الأساسية.

والأدهى من ذلك، بما أنه لا توجد مقومات الاقتصاد القابل للحياة، فإن هذه الجزر المعزولة كانت تستدام عن طريق الدعم الحكومي المكثف من حكومة جنوب أفريقيا.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن استمرارهم مدعوم من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى. وعن طريق تكديس الأفارقة في الباندوستانات فقد استطاع نظام البيض العنصري أن يديم نفسه لسنوات عديدة، وهي بالضبط رؤية هيرزوغ.

إن حزب العمل الذي يعتبر البديل الوحيد المتاح لحكومة الليكود الحالية والذي يعتبر بنظر الكثير من القادة في إسرائيل والعالم على أنه البديل التقدمي، تبنى بشكل كامل خطة كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يطبقها.

وفي ضوء هذا الواقع، يبدو أنه من غير المحتمل أن يأتي الحل العادل للقضية الفلسطينية من داخل إسرائيل. وبالتأكيد ففي ظل هذا المنعطف التاريخي، فإن الحل الوحيد الذي ربما يمنح الأمل هو الضغط الدولي الذي نحتاجه بشكل ملح.

----------------------
* نيف غوردون هو مؤلف كتاب "الاحتلال الإسرائيلي" وشارك نيكول بيروغيني في تأليف كتاب "من أجل سيادة حقوق الإنسان".

المصدر : الجزيرة