أبدى فاعلون في الوسط الإعلامي بموريتانيا تخوفهم من تراجع حرية الصحافة في البلاد تزامنا مع قرار رسمي بإيقاف برنامج "في الصميم" الذي تبثه قناة "المرابطون"، سبقه قرار مماثل ضد إذاعة "صحراء ميديا"، وسلسلة استدعاءات أخرى من القضاء لعدد من الصحفيين.

أحمد الأمين-نواكشوط

أوقفت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية في موريتانيا الجمعة الماضية برنامج "في الصميم" الحواري الأسبوعي الذي تبثه قناة "المرابطون" الخاصة وأنذرت القناة، وذلك بعد نحو ستة أشهر من خطوة مماثلة ضد محطة إذاعة "صحراء ميديا" الخاصة التي أوقفت أحد أشهر برامجها التفاعلية "صحراء توك"، وهو ما أثار مخاوف داخل الوسط الإعلامي بشأن تراجع حرية الصحافة في البلاد.

وبررت السلطة المسؤولة عن ضبط المشهد الإعلامي السمعي البصري في موريتانيا قرارها ضد "المرابطون" بعدم احترام القناة لالتزاماتها، واتهمتها -في رسالة قبل الإنذار- "بالتحريض النشط على المساس بالأمن العام"، وخدمة بعض برامجها "مصالح مجموعات سياسية وعرقية خصوصية وفئوية"، وهو ما نفته القناة جملة وتفصيلا.

اتهامات
وقال مدير الأخبار في القناة محمد الحافظ ولد الغابد للجزيرة نت إن الاتهامات التي قدمتها السلطة العليا مخالفة للواقع.

وأضاف أن القناة "تميزت باستقلال كبير عن الخلفية الفكرية لها، ويشهد على ذلك حجم وجهات النظر من التيارات الأخرى التي تم بثها على القناة حتى تحولت إلى لسان حال الشعب الموريتاني بكل رؤاه وتياراته".

ولد الغابد: الاتهامات التي قدمتها
السلطة العليا مخالفة للواقع
 (الجزيرة نت)

وبخصوص تهم التحريض أكد ولد الغابد أن تغطية إضراب عمال شركة المناجم ومظاهرات حادثة تمزيق المصحف اللتين استشهدت بهما السلطة كان تعامل القناة معهما على مستوى الحدث، فقد قدمت وجهة نظر المضربين وغير المضربين، ونقلت وجهة نظر الشركة.

وقال أيضا "في حادثة المصحف نقلنا حدثا ضخما عكس غضبة شعبية على حادثة أثارت حفيظة الشارع، ولم نقم بأي تضخيم أو تحريض".

من جهته قال مسؤول كبير بالسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية للجزيرة نت إن "القرار جاء بعد الكثير من المحاولات مع القناة لتصحيح نهجها، واحترام بنود دفتر الالتزامات الذي حصلت على الترخيص على أساسه".

واعتبر المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه أن القناة لا تعكس التعددية في البلاد ولا التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب الموريتاني، وقد نبهت السلطة إلى ذلك في أكثر من رسالة، وخلال الكثير من الاجتماعات مع إدارة القناة ومسؤوليها، على حد قوله.

مراقبة
بدوره رأى مقدم البرنامج أحمد ولد وديعة أن المبررات التي ساقتها السلطة غير مقنعة، مشيرا إلى القول بأن مقدم البرنامج ناشط وفاعل في الأحداث، بما يعني أن السلطة تخلت عن دورها الضبطي لما يبث على الشاشة، واختارت مراقبة مواطن يمارس حقه المكفول بالقانون.

وقال ولد وديعة في حديث للجزيرة نت إن البرنامج استطاع عبر حلقاته التي تجاوزت الـ180 أن يقدم كافة وجهات النظر والرؤى في الساحة الموريتانية بكل حيادية وموضوعية، وعكس تنوع هذا البلد.

وخلف توقيف برنامج "في الصميم" وإنذار قناة "المرابطون" تنديدا من طرف أغلب أحزاب المعارضة والهيئات الصحفية، بينما اعتبرت رابطة الصحفيين الموريتانيين أن البلاد تعيش ما سمته استهدافا ممنهجا "للمكاسب التي حققتها موريتانيا في مجال حرية التعبير والصحافة".

كما ندد اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الخصوصية في موريتانيا بالقرار، ودعا السلطة إلى التراجع عنه.

وأثار القرار مخاوف في الوسط الإعلامي بشأن تراجع الحريات الصحفية في موريتانيا، خاصة أنه جاء بعد سلسلة استدعاءات من القضاء لعدد من الصحفيين في قضايا رفعتها شخصيات ومؤسسات ذات طابع رسمي.

ولد يسلم ينفي تراجع حرية الإعلام
في موريتانيا
(الجزيرة نت)

 شكايات
واعتبر نقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد المختار السالم أن تقديم شكايات متلاحقة في ظرف زمني قصير ومن طرف أشخاص في مراكز حساسة، أمر يثير المخاوف من نجاح بعض من يسعون للحد من الحريات ويحاولون إقناع السلطات العمومية بأن سقف الحريات الإعلامية أعلى مما ينبغي.

وقال ولد المختار السالم في حديث للجزيرة نت إن النقابة ترفض بشكل قاطع توقيف أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي كما ترفض أي حد من حرية الصحافة، لكنها في الوقت ذاته تطالب الصحفيين ومقدمي البرامج بترشيد هذه الحرية عبر احترام النصوص القانونية والضوابط المهنية.

من جانبها نفت وزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني التي تتولى الوصاية على الإعلام أي تراجع لحرية الإعلام.

واعتبر المكلف بالمهمة في الوزارة أحمد عيسى ولد يسلم أن القول بتراجع الحريات أو مضايقة الصحافة قول غير صحيح ولا يستند إلى أي دليل، فحرية الإعلام تشكل إرادة سياسية ثابتة لم تتزعزع، بحسب تعبيره.

وأضاف ولد يسلم في حديث للجزيرة نت أن قيام الهيئات الضبطية أو القضائية بدورها لا يعني المضايقة أو تقليص هامش الحرية، بل بالعكس هو عمل يهدف إلى تعزيز الحريات وحمايتها.

المصدر : الجزيرة