دعاء عبد اللطيف-القاهرة

لا يستطيع الطفل المصري أحمد منصور قرني الذي لم يتجاوز عمره الرابعة، أن ينطق كلمة "محكمة" ولا يعرف معناها، ومع ذلك فهو يواجه حكما بالسجن المؤبد باتهامات لا يصدقها عاقل.

يحاول أحمد أن يردد الكلمة الجديدة بصعوبة فيسقط منه حرف أو يخطئ التشكيل، لكنه لا يخطئ أبداً نظرات خوف أبويه عليه بعدما قضت محكمة عسكرية في القاهرة قبل يومين، بسجنه 25 عاما مع 115 شخصا من معارضي الانقلاب.

وعجب القضية رقم ٢٨٠ لعام ٢٠١٤ إداري الفيوم والمدان فيها أحمد، لا يكمن فقط في الحكم على قاصر لم تدخل بعد في قاموسه اللغوي كلمات مثل السجن والقاضي وربما الوطن، بل يشمل أيضا إدانة أحد المتهمين بقتل شقيقه، كما أن أحد المتهمين تُوفي قبل الواقعة المدان فيها بعام.

وترجع أحداث القضية إلى يوم 3 يناير/كانون الثاني 2014 -أي أن الطفل كان يبلغ من العمر عامين- عندما خرج عدد من أهالي محافظة الفيوم جنوبي القاهرة المعارضين للسلطة في مظاهرة تعرضت لها قوات الأمن، وانتهى المشهد بمقتل أربعة متظاهرين وإصابة العشرات، لتدين المحكمة 116 شخصا من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين والمعارضين للسلطة بالسجن المؤبد بتهمة قتل المتظاهرين والشروع في قتل ثمانية آخرين وتخريب ممتلكات عامة.

صورة من شهادة ميلاد الطفل
أحمد منصور قرني (الجزيرة)

وبحسب وكلاء الدفاع فإن المحكمة التي استندت في حكمها إلى تحريات الأمن فقط، رفضت الالتفات إلى وثيقة تثبت تاريخ ميلاد للطفل، لتحكم عليه غيابيا مع باقي المتهمين.

ورفض والدا الطفل المحكوم عليه بالمؤبد التواصل الإعلامي خوفا من مزيد من التعسف أو الأحكام، لكن على أي حال لا يصعب تخيل مأساة تلك الأسرة وصعوبة شرح مستقبل الصغير.

وحالة الطفل أحمد ليست الأولى من نوعها، فقد سبقه أطفال اتهموا وأدينوا في قضايا مشابهة خلال السنوات الثلاث الماضية، ومنهم الطفل محمد محمود (17 عاما) المحبوس منذ عامين -أي حين كان عمره 15 عاما- والذي ألقي القبض عليه وهو يرتدي قميصا كتب عليه "لا للتعذيب". 

تردّي القضاء
يرى عضو المكتب التنفيذي لحركة "قضاة من أجل مصر" عماد أبو هاشم أن المحاكم -على اختلاف أنواعها ودرجاتها- باتت تصدر الأحكام ضد معارضي النظام جزافيا، دون الاطلاع على أوراق الدعاوى التي غالبا ما تفتقر إلى الأدلة الكافية لإدانة المتهمين.

وحالة التردي القضائي لم تعد مستغربة وفق أبو هاشم الذي أكد أن الأحكام القضائية باتت تملى من قبل النظام العسكري للتخلص من معارضيه، الأمر الذي يفقد الثقة في منظومة العدالة ويجعل القضاة شركاء في جرائم السلطة ضد المواطنين.

وعن قانونية الحكم على طفل لم يتجاوز عامه الرابع، أوضح أبو هاشم في حديث للجزيرة نت أن الدفع بعدم بلوغ المتهم السن الذي تكتمل فيه أهلية المسؤولية الجنائية يعد أمرا جوهريا في القانون العام، مما يجعل الحكم باطلا.

وأضاف أن الحكم بإدانة الطفل يهدر القرينة المستمدة من التحريات التي أوردت اسم القاصر ضمن المتهمين بتلفيق وعدم جدية واضحين، متسائلا "كيف لمُجري التحريات أن يخبر بمن اقترف الجريمة وهو يجهل إن كان أحدهم طفلا في الرابعة من عمره؟".

أما الناشطة السياسية منى سيف فتساءلت عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك "هل كانت المحكمة واعية بأنها تدين طفلا عمره أربع سنوات في قضية قتل أربعة مواطنين؟".

وأضافت أن المسؤول عن التحريات ضم الأسماء "بالبركة" وأن القاضي لم يقرأ ملف القضية، مستدلة باحتواء الملف على شهادة ميلاد الطفل التي تبرئه، وأردفت "القاضي وزن القضية وحكم بالمؤبد بالجملة، وهذا بالضبط حال المحاكم العسكرية".

التحريات الأمنية لم تلتفت إلى شهادة ميلاد الطفل والقضاء تجاهلها (الجزيرة)

مهزلة
من جهته، قال مدير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم إن الوضع القانوني في مصر بلغ مرحلة مهترئة وتعدى مستوى المهزلة.

وأضاف غنيم للجزيرة نت أن كافة الأحكام القضائية المتعلقة بمعارضي السلطة تصدر عن جهات أمنية لا عن قناعة القاضي، موضحا أن حالة الطفل أحمد ليست الأولى من نوعها إذ سبقه ثلاثة أطفال مدانين في قضايا مماثلة.

والحكم على طفل لم يبلغ الرابعة من عمره يدل على أن القاضي لم يكلف نفسه عناء قراءة ملف القضية وفق قول غنيم، مؤكدا أن قوات الأمن التي فضت مظاهرة الفيوم هي المتورطة في قتل الضحايا لا المتظاهرون.

المصدر : الجزيرة