جونثان كينيدي1 ودومنا ميشاليدو2

في الأشهر الأخيرة، اتهم صحفيون ومنظمات غير حكومية الأمم المتحدة بالانحياز لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، والفشل في توزيع المساعدات الإنسانية للمناطق التي يسيطر عليها الثوار في سوريا.

هذه الانتقادات مبررة إلى حد ما، فالأمم المتحدة تعمل بشكل وثيق مع الحكومة السورية، والمساعدات الإنسانية لا تصل بشكل مستمر للمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة. ولكن النقاد يغفلون التناقض المتأصل في مسؤوليات الأمم المتحدة في البلدان التي تواجه حربا أهلية.

طبقا لميثاق الأمم المتحدة فإن من أهداف المنظمة: تنسيق عمليات الإغاثة خلال وبعد حصول كوارث ذات "طابع إنساني" لا تستطيع السلطات الوطنية وحدها التعامل معها. إن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لديه مسؤولية عامة عن جهود الإغاثة عند حصول الكوارث، ونشاطاته يجب أن تكون على أساس المبادئ الأربعة المتمثلة في الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلالية، والمكتب يعمل مع الحكومات الوطنية ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة ويتعاون مع المنظمات غير الحكومية العالمية والمحلية.

لكن الأمم المتحدة لديها تفويض باحترام سيادة دولها الأعضاء، مما يعني أنه يتوجب عليها الإقرار بسلطة النظام المعترف به دوليا على أراضيه وعلى الناس الذين يعيشون فيها، وهذه النقطة لا تعتبر مشكلة عندما تكون البلدان تحت سلطة حكومات لديها سلطة حصرية على أراضيها واهتمام حقيقي برفاهة مواطنيها، لكن هذه النقطة تصبح مثيرة للمشاكل عندما لا تتوفر مثل تلك الظروف في حال الحروب الأهلية.

عندما تقوم المجموعات المتمردة باحتلال مناطق في بلد ما، فإن الوضع يؤدي لما أطلق عليه عالم الاجتماع شارلز تيلي "السيادة الثنائية أو المتعددة"، فيصبح الثوار -بدل النظام المعترف به دوليا- أصحاب السيادة على أرض الواقع في المناطق التي يسيطرون عليها، وهذا يشكل تحديا للأمم المتحدة بسبب تفويضها المزدوج بتقديم المساعدات الإنسانية بنزاهة وحياد واحترام سيادة الدول الأعضاء.

ويصبح التحدي صعبا عندما يقوم نظام معترف به دوليا بمنع الأمم المتحدة من تقديم المساعدات الإنسانية للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فمن منظور النظام فإن الخوف هو أن تقديم المساعدات لتلك المناطق سوف يعمل على استدامة مجتمعات معادية ويمكن تفسيره كاعتراف بالثوار قادة سياسيين على أرض الواقع.

إن سيناريو الحرب الأهلية يشخص الوضع في سوريا، فنظام الأسد خسر مناطق شاسعة ضمن الحدود الاسمية للجمهورية العربية السورية، وليس لديه أدنى اهتمام بصالح المجتمعات التي تعيش في المناطق التي يسيطر عليها الثوار ورفاهتها، والدليل على ذلك العنف العشوائي الذي يمارسه الجيش السوري تجاه المدنيين في تلك المناطق.

نظام تقديم المساعدات الإنسانية الدولي يجب أن يعكس بشكل دقيق الحقائق السياسية في البلدان التي تعاني من الحروب الأهلية، بحيث تتمكن الأمم المتحدة من العمل مع جميع الأطراف التي تسيطر على المناطق

لا بديل
لكن على الرغم من احتقار نظام الأسد للمعايير الإنسانية فإنه ما يزال على الأمم المتحدة الحصول على الإذن منه بالعمل في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وفي واقع الأمر ينص برنامج الرد الإنساني التابع للأمم المتحدة في سوريا على أن "حكومة سوريا تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية مواطنيها".

نظريا تسمح الحكومة السورية بنقل المساعدات الإنسانية عبر الخطوط الأمامية من المناطق التي تسيطر عليها إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار، ولكن عمليا على الأرض فإن تقديم تلك المساعدات صعب للغاية بسبب القتال الدائر والعقبات البيروقراطية التي تضعها الحكومة السورية. وبالإضافة إلى ذلك لا تسمح الحكومة بالمساعدات عبر الحدود، فبالرغم من أن ذلك هو الأكثر فعالية لتقديم المساعدات، فإنه يقوض سيطرة الحكومة على توزيع المساعدات ويقوض كذلك من ادعاءاتها المتعلقة بالسيادة.

ليس للأمم المتحدة الكثير من السلطة للتأثير على إستراتيجية الحكومة السورية للمساعدات الإنسانية، ولو قامت بتحدي النظام بشكل علني فإنها قد تخسر الإذن الممنوح لها بالعمل في البلاد، وفي الوقت نفسه وبينما تزداد الأزمة السورية سوءا فإن الضغط يتزايد من أجل تحسين تقديم المساعدات الإنسانية في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وقد كشفت الأمم المتحدة عددا من الخيارات.

فعلى سبيل المثال، ساعدت في التفاوض على وقف مؤقت لإطلاق النار مرات عديدة، وذلك حتى يتسنى لوكالات المساعدات الإنسانية الوصول للمناطق المحاصرة، كما قامت وكالات الأمم المتحدة بهدوء بتقديم إمدادات مطلوبة بشدة وبمشورة تقنية للمنظمات غير الحكومية التي تعمل في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، ولقد قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإصدار قرارات من أجل الالتفاف على الحكومة السورية والسماح بتقديم المساعدات الإنسانية عبر الحدود.

إن الاتهامات بأن الأمم المتحدة منحازة لنظام الأسد غير عادلة نظرا للواقع على الأرض. ليس للأمم المتحدة أي خيار آخر سوى التعاون مع النظام المعترف به دوليا، بغض النظر عن الكيفية التي يعامل بها النظام السكان في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة. وبينما عملت الأمم المتحدة على التغلب على هذه القيود فإن جهودها كانت بالضرورة بطيئة وقائمة على ردة الفعل عوضا عن اتخاذ المبادرة، بالإضافة إلى كونها جهودا لأغراض محددة وبحسب الظروف، والأسوأ من ذلك أن جهودها كانت ممكنة فقط لأن الأزمة الإنسانية تدهورت لدرجة أنه لم يعد بالإمكان تجاهلها.

من الناحية المثالية فإن نظام تقديم المساعدات الإنسانية الدولي يجب أن يعكس بشكل دقيق الحقائق السياسية في البلدان التي تعاني من الحروب الأهلية، بحيث تتمكن الأمم المتحدة من العمل مع جميع الأطراف التي تسيطر على المناطق.

إن أحد الطرق لتحقيق ذلك هو مراجعة ميثاق الأمم المتحدة، وذلك حتى يسمح للمنظمة بالتعامل مع القادة السياسيين على أرض الواقع في المناطق التي يسيطر عليها الثوار. إن الطرح وراء هذا التغيير هو طرح قوي، وخاصة في حالات مثل سوريا حيث تتصرف الحكومة دون أي اهتمام بمصلحة المجتمعات التي تعيش في المناطق التي يسيطر عليها الثوار ورفاهتها.

الاحتمالية الأخرى هي نقل المسؤولية عن المساعدات الإنسانية في مناطق الصراع لمنظمة غير حكومية ليست عليها نفس الضغوط لاحترام سيادة أنظمة معترف بها دوليا. إن مثل هذا التغيير يتناقض مع النظام الحالي للسياسة الدولية القائم على أساس حصانة الدول، لكن من المؤكد أن تقديم المساعدات الإنسانية لأولئك الذين يحتاجونها يجب أن يكون له أولوية على سيادة الحكومات التي لا تحترم صالح جميع مواطنيها ورفاهتهم.

---------------------

1- جونثان كينيدي: أستاذ في كلية "يو سي أل" للسياسة العامة، وباحث مشارك في دائرة علم الاجتماع في جامعة كامبريدج.

2- دومنا ميشاليدو: أستاذة في مركز دراسات التنمية بجامعة كامبريدج وكلية "يو سي أل" للسياسة العامة، وتعمل في الدائرة الاقتصادية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت