عاطف دغلس-طولكرم

بنظرة وكلمة فقط اقتصر اللقاء الأول للعروسين الأسيرين بعد سنوات من خطوبة جرت بالتوكيل بعد أن غيّب الاحتلال الزوج قسريا، أما المكان فهو غرفة التحقيق، ولم يتعد الزمان بضع ثوان.

هكذا حظيت الأسيرة المحررة دنيا ضرار واكد بلقاء زوجها الأسير محمد واكد لأول مرة.

وقبل أيام قليلة أفرجت إسرائيل عن الأسيرة دنيا (38 عاما) من مدينة طولكرم (شمال الضفة الغربية) بعد اعتقال استمر ثلاث سنوات ونصف السنة، وظل زوجها محمد يصارع حكما بالسجن مدته ثلاثة عقود، أما شقيقها الأصغر جمال فيقضي حكما بالسجن عشرين عاما.

وتقول دنيا "أصرّ محمد على رؤيتي، فأتوا به مكبلا ومعصوب العينين وبالطريقة ذاتها أحضروني، وعندما أزالوا غطاء عيني انهرت وأغمي علي فورا".

مقابر
ورغم تجربتها المريرة بالمعتقل والتحقيق المتواصل لـ27 يوما وتسع ساعات في اليوم؛ لم تتخيل دنيا أن ترى خطيبها بهذه الحال "إذ أوثق السجانون الرباط حول يديه ورجليه وأجلسوه كما لو كان في التحقيق وليس كمن يستعد لرؤية خطيبته".

تدرك دنيا أنها المعاناة التي يواجهها الأسرى عموما والأسيرات خاصة، حيث واجهت مع أكثر من ستين أسيرة -بينهن 12 طفلة- يقبعن بسجني هشارون والدامون واقعا مزريا بفعل الاكتظاظ والتضييق.

"تلك ليست سجونا بل مقابر". هكذا تصف دنيا وضع المعتقلات، وتقول كل سجن يحوي غرفتين وساحة خارجية تعرف بالفورة، وتستخدم كفسحة للأسرى خارج غرف الاعتقال، وتفصل الأسيرات كبيرات السن عن الصغيرات.

حتى هذه الفورة قلصتها إدارة السجن مؤخرا بحجة إعلان الطوارئ، ومنعت زيارة المحامين وعاملت الأسيرات بفظاظة وعنف، كاقتحام وحدات خاصة من الجنود غرفهن وتفتيشها والعبث بمقتنياتهن ومصادرتها، "أما الطعام فلا يصلح للحيوانات".

وفاقم الاكتظاظ انتشار الأمراض والأوبئة، خاصة أن جزءا كبيرا من الأسيرات -خاصة القاصرات- اعتقلن بعد إصابتهن برصاص الجنود، فالسجانون يقدمون للأسير ما ينقذ حياته وليس العلاج الكامل.

وتفيد دنيا بأنها أصيبت بمرضين مزمنين: هما السكر والضغط داخل المعتقل، ولم تحظ بأي رعاية، أما الطفلات المصابات فكن يضمدن جراح بعضهن بعضا.

وخارج المعتقل، تواجه الأسيرات ويلات البوسطة، فقد أضحت وسيلة عقاب وليست حافلة لنقل الأسرى للمحكمة، فمسيرة ساعتين تستغرق يوما كاملا يُنقل فيها الأسير مقيدا ومعصوب العينين ويعزل داخل غرفة مقاعدها حديدية.

دنيا واكد تحمل صورة شقيقها جمال ووالدتها مريم تحمل صورتها بعد الإفراج عن دنيا قبل أيام قليلة (الجزيرة نت)

تفتيش وتحرش
أما التفتيش العاري والتحرش فهو أسوأ ما تواجهه الأسيرات، سواء في غرف التحقيق أو أثناء النقل بالبوسطة مع سجناء جنائيين إسرائيليين، وتقول "بعضهم خلع ملابسه لهن، وضابط أوحى لممرض للتحرش بأسيرة داخل العيادة، وأجبر ستة محققين طفلة على الاعتراف بتهم لم ترتكبها".

وسجلت مؤسسات تعنى بشؤون الأسرى نحو ثمانية آلاف حالة احتجاز (لوقت قصير) يوميا خلال انتفاضة القدس التي انطلقت قبل عام، 270 منها كانت لنساء، بينهن أربعون قاصرة، وهناك أكثر من ألفي طفل، وفق ما تقول أمينة الطويل الباحثة بمركز أسرى فلسطين للدراسات.

وعزت أمينة في حديث للجزيرة هذا التصعيد الإسرائيلي لتصاعد أعمال المقاومة، وقالت إن أكثر من سبعة آلاف أسير -بينهم ما يزيد على ستين أسيرة- تنتهك حقوقهم بشكل يومي.

ورغم الإفراج عن ابنتها، فإن فرحة الحاجة المكلومة مريم حارون لم تكتمل؛ فالأم السبعينية فجعت باستشهاد اثنين من أبنائها، ويقبع ثالثهم وزوج ابنتها دنيا في المعتقل، وبسبب الرفض الأمني حُرمت من زيارة ابنيها (دنيا وجمال) منذ عامين.

وبعد الإفراج، على دنيا أن تكمل مهمتها التي بدأتها داخل المعتقل، حيث كانت الأم والمربية للأسيرات القاصرات وقدمت بحكم عملها كمدربة بالتنمية البشرية دورات مكثفة، واليوم ستنقل لذوي الأسيرات رسائلهن ومشغولاتهن داخل المعتقل، كما ستصب جهدها على التخفيف من معاناة أهالي الأسرى أنفسهم.

المصدر : الجزيرة