عمر خمايسي*

بعد أكثر من 17 عاما من المداولات والتصريحات من قبل الحكومات الإسرائيلية المختلفة بخصوص كيفية التعامل مع الحركة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية 1948 برئاسة الشيخ رائد صلاح، بدا واضحا أن التعامل مع الحركة حُسم منذ زمن، ولم يبق سوى السؤال، كيف سيتم ذلك قانونيا؟ ومتى؟

وبسبب هذه الحملة، نشرت أبواق الإعلام رسالة مفادها أنه لا بد من شيطنة الحركة الاسلامية وقياداتها وربطها بالتطرف، كما وجهت الحكومة الإسرائيلية أصابع الاتهام خلال الهبة الأخيرة إلى كل من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والسلطة الفلسطينية والحركة الإسلامية، مع أنها هبة شعبية قادها الشارع الفلسطيني.

وأثناء انعقاد الجلسة الأسبوعية للمجلس الوزاري المصغر للحكومة منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقع وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعالون على قرار يعتبر الحركة الإسلامية منظمة محظورة وفقا لقانون أوامر الطوارئ 1945، وهو قانون سن من قبل الحكومة البريطانية في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وما زالت إسرائيل تمدد سنويا حالة الطوارئ وتعمل وفقا لهذا القانون الذي يميزه أنه يحتوي على صلاحيات أحادية الجانب وإجراءات قمعية وتعسفية ضد أي إنسان "مواطن أو غير مواطن" تطأ قدمه الأراضي التي تمارس إسرائيل عليها سيادتها القانونية.

وبعد يومين، اقتحمت الشرطة وجهاز الأمن العام (شاباك) مكاتب الحركة وصادرت أوراقا ومستندات، واستدعت قياداتها للتحقيق، وخلال أيام تم حظر 20 مؤسسة أهلية على اعتبار أنها تابعة للحركة، ومنها مؤسسة الإغاثة الإنسانية في الناصرة التي تكفل شهريا 23 ألف يتيم، وبذلك وضعت الحكومة الإسرائيلية يدها على مبلغ 1.5 مليون شيكل كان معدا لتكاليف زرع كلية وكبد لفتاة فلسطينية ترقد في المستشفى بانتظار العملية، كما نتج عن قرار الحظر منع وصول الأموال إلى الأيتام والأسر الفقيرة بحجج واهية، دون توجيه أي شبهة أو مخالفة قانونية للمؤسسات الأهلية او لأعضائها وموظفيها سوى أنها تعتقد أنها تابعة للحركة الإسلامية، مع أن جميع تلك المؤسسات مسجلة قانونيا وتدفع الضرائب.

المفارقة القانونية
وتحاول إسرائيل أن تصبغ ادعاءاتها بشبهات جنائية ضد الحركة، مثل التحريض على العنف ودعم المرابطين والمرابطات في الأقصى ماليا، وتلقي الأموال من حماس، دون أن يخضع قادة الحركة الإسلامية للتحقيق الجنائي.

وحسب القانون الإسرائيلي فإن مثل هذه المخالفات يجب أن يتحمل مسؤوليتها أفراد مخالفون للقانون بعينهم، وليس جماعات كحال الحركة الإسلامية، وهنا نجزم بناء على المنظور القانوني بأن جميع تصريحات ونشاطات وفعاليات الحركة وقياداتها لم يكن فيها أي مخالفات قانونية وجنائية، وهذا الأمر خيب آمال وتوقعات الحكومة الإسرائيلية لأنها طمعت على مدار العقد الأخير بمحاولة ربط قيادات الحركة بمخالفات جنائية للزج بهم لسنوات طويلة في السجون.

وعليه لم يبق سوى اللجوء إلى قانون الطوارئ واتخاذ إجراء إداري أحادي الجانب بالإعلان عن حظر الحركة، وهو إجراء غير خاضع للقضاء الإسرائيلي بلحظة اتخاذه وتنفيذه، إلا أن القانون يتيح فيما بعد الاعتراض عليه أمام الجهة التي أصدرته، ومن ثم الطعن والالتماس لمحكمة العدل العليا بصفتها أعلى جهة قضائية في إسرائيل، حيث تتم هذه المداولات بناء على أدلة سرية لا يعلمها إلا جهاز الشاباك والنيابة العامة والقضاة، ولا يعرفها الطاعن والملتمس ضد القرار.

تجارب قانون الطوارئ

الإعلان عن حظر الحركة الإسلامية وأكثر من عشرين مؤسسة أهلية، قرار سياسي بامتياز
وتفيد تجارب الماضي بأنه لم يكن هناك أي قرار قبلت به المحكمة العليا ادعاءات الملتمس أو الطاعن بمثل هذه القرارات، بل جاءت جميعها لتصادق على القرار الإداري وحمايته بصياغة قانونية تشبه ذات الصياغة التي استعملت آنذاك لتبرير سياسات الفصل العنصري على أنها قانونية. والسؤال هنا: عن أي قانون يتحدثون؟ هل هو قانون الطوارئ 1945 الذي استعمله الاحتلال البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية لضمان السيطرة على الفلسطينيين الرافضين للاحتلال والحركة الصهيونية، والذي تنصلت منه الحكومة البريطانية؟

الملفت للنظر أن جميع قضاة إسرائيل يعون ذلك، ويوجهون بقراراتهم نداء إلى الحكومة والمجلس التشريعي (الكنيست) لحثهم على استبدال قانون الطوارئ لأنه يحرجهم، بسبب ما فيه من عيوب تتعارض مع القانون الدولي والمواثيق الدولية ومفهوم الديمقراطية، ويقضون في نهاية المطاف وفقا للقانون دون قبول أي طعن في دستوريته ليكون القضاء الإسرائيلي شريكا في جريمة قانون الطوارئ الذي يدفع ثمن إجراءاته التعسفية الشعب الفلسطيني، بينما يتعامل القضاء الإسرائيلي مع المجموعات الإرهابية اليهودية كمجموعة تدفيع الثمن وفتيان التلال في المستوطنات في الأراضي المحتلة بيد حريرية وتسامح.

وللإشارة إلى إجراءاته التعسفية، نذكر منها على سبيل المثال الاعتقال الإداري دون محاكمة ودون أدلة، الحبس المنزلي، الإقامة الجبرية في منطقة محددة دون غيرها، منع دخول منطقة معينة وتسمى التهجير القسري، الإعلان عن حظر منظمات أو جمعيات، منع مغادرة البلاد، وضع اليد على الأموال ومصادرتها وغيرها، وهي إجراءات إدارية من جانب واحد، والقانون لا يحدد عدد مرات استعمالها.            

وعليه نصل إلى أن السبب الحقيقي وراء إجراء الإعلان عن حظر الحركة الإسلامية وأكثر من عشرين مؤسسة أهلية هو قرار سياسي بامتياز، له أبعاد أخرى منها الدينية والوطنية، ولضرب النسيج الاجتماعي للمجتمع العربي الفلسطيني، والتخويف من العمل الإسلامي والمشاريع التي تقوم بها الحركة، وضرب التواجد الديني لمسلمي الداخل في القدس.

ضرب الحركة
على مدى أكثر من 20 عاما توجه الحكومة الإسرائيلية ضربات متنوعة لمشروع المجتمع العصامي الذي طرحته الحركة الإسلامية للنهوض بالمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، والذي ينادي بإقامة أطر جماهيرية ومؤسسات أهلية غير حكومية تخدم المجتمع العربي المهمش من قبل الحكومات الإسرائيلية فيما يتعلق بحقوقه الأساسية، على أن تقوم هذه المؤسسات والأطر ببناء الهوية الوطنية السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية للداخل الفلسطيني، وبناء لجنة متابعة للجماهير العربية منتخبة بشكل مباشر من فلسطينيي الداخل، تمثل السقف الأعلى لجميع الحركات والأحزاب العربية (صورة عن حكم ذاتي لفلسطينيي الداخل).

الحكومة الإسرائيلية خلال الأعوام العشرين الأخيرة أغلقت 27 مؤسسة وجمعية أهلية بادعاء أنها تابعة للحركة الإسلامية

وانتبهت الحكومة الإسرائيلية إلى خطورة هذا الطرح الذي لا يروق لها بتاتا، بل ترى فيه خطرا على أمنها وسيادتها بعدما أيقنت أنه ليس شعارا رنانا بل مشروعا بدأ تنفيذه ميدانيا، وبالذات بعد الانشقاق الذي حدث في الحركة الإسلامية حول مسألة خوض انتخابات الكنيست عام 1996، إذ رفض قسم منهم انخراط الحركة في الانتخابات كجزء من مركبات الدولة والذي ترى فيه تناقضا مع طرحها الأساسي وهو بناء مجتمع عصامي ولجنة متابعة لها تمثيلها وسيادتها.

وكانت أول ضربة هي إغلاق مؤسسة الإغاثة الإسلامية في الناصرة عام 1996، وفي عام 2003 تم اعتقال العشرات من أبناء الحركة وإغلاق جمعيتين عملتا في الإغاثة ومصادرة أموالهما والحكم بالسجن ثلاث سنوات على رئيس الحركة رائد صلاح والقيادي سليمان أغبارية رئيس بلدية أم الفحم وثلاث شخصيات أخرى لها باع طويل في العمل الأهلي.

وفي الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، قدمت الشرطة الإسرائيلية ست لوائح اتهام مختلفة ومنفصلة ضد الشيخ رائد صلاح، تشمل أكثر من عشر مخالفات متنوعة ذات صبغة سياسية، واعتقلت نائبه الأول الشيخ كمال خطيب أثناء رباطه في الأقصى، مع الاعتداء جسديا على نائبه الثاني الشيخ حسام أبو ليل. كما تم تقديم لوائح اتهام ضد القياديين سليمان أغبارية والشيخ علي أبو شيخه أثناء احتجاجاتهم على هدم باب المغاربة عام 2006 في مدينة القدس. 

وحققت أيضا مع عشرات القياديين وأصدرت بحقهم أوامر منع مغادرة البلاد ومنع دخول القدس وضواحيها ومنع دخول المسجد الأقصى، كما حققت مع مئات الشباب ممن يعتبرون من أبنائها أو مناصريها بتحقيقات مخابراتية هدفها التخويف والترهيب لثنيهم عن العمل والمشاركة في فعاليات ونشاطات الحركة، أو الإغراء والترغيب لتجنيدهم في صفوف المخابرات، وجميعها كانت محاولات لجمع أكبر كم من المعلومات عن الحركة وقادتها.

وأغلقت الحكومة الإسرائيلية خلال الأعوام العشرين الأخيرة 27 مؤسسة وجمعية أهلية بادعاء أنها تابعة للحركة الإسلامية، بل أعلنت عن حظر أكثر من أربعة مشاريع وأطر لدعم القدس والأقصى، وأكثر من 50 جمعية ومؤسسة أهلية عربية أو إسلامية تعمل في دول أخرى كانت الحركة الإسلامية تتواصل معها في مشاريعها وأفكارها، حيث كان دائما القاسم المشترك بينهم هو القضية الفلسطينية.

الخلاصة.. جاءت هذه الإجراءات ضمن محاولات الحكومة الإسرائيلية التوغل في سياسة تجريم العمل السياسي والأهلي الجماهيري بملاحقات سياسية لقيادات في الداخل الفلسطيني بصبغة قانونية تمثلت بالإعلان عن الحركة الإسلامية منظمة محظورة، وشملت بإعلانها عشرين مؤسسة وجمعية أهلية في محاولة أخرى لتجريم الحقوق الأساسية والمدنية لجمعيات تعمل في خدمة الجمهور العربي بمناح عدة، مثل الإغاثة والتعليم والثقافة والإعلام والاقتصاد والتنمية.

والهدف من ذلك تقزيم وتجريم العمل السياسي وترويع القيادات السياسية والنيل منها، والحد من نشاطها النضالي والحؤول بينها وبين جماهيرها، مما يؤكد مرة أخرى أن إسرائيل ما زالت دولة فصل عنصري بعيدة عن الديمقراطية.
________________
* المدير العام لمؤسسة "ميزان" لحقوق الإنسان في الناصرة، ومحام في طاقم الدفاع عن الشيخ رائد صلاح.

المصدر : الجزيرة