عاطف دغلس-طوباس

وحدها لوحة فنية من القماش أعدها الأسير المحرر مصطفى مسلماني (51 عاما) استطاعت أن تجمع العائلة، المكونة من الزوج والزوجة وستة أبناء ولو مرة واحدة، بعد أن فرّقهم الاحتلال الإسرائيلي باعتقالاته المتكررة وملاحقته لهم.

وتجسد تلك اللوحة، التي تأخذ مكانا مميزا في صدر إحدى غرف منزل مسلماني بمدينة طوباس شمال الضفة الغربية، حكاية ألم كانت ولا تزال تمر بها العائلة، وتختصر مسافات طويلة على الذين لم يعرفوها ولم يدركوا بعد التضحية التي قدمتها حتى الآن.

في الغرفة حيث تُعلق اللوحة أو "شجرة العائلة" -كما يُطلق عليها ذوو مسلماني- توجد صورتان لمصطفى مسلماني، ويظهر مدفوعا بأحد الحراس الإسرائيليين وهو مكبل اليدين والقدمين داخل ساحة أحد السجون الإسرائيلية عندما كان يحاكم لقتله إسرائيليين.

شجرة عائلة الأسير المبعد مصطفى مسلماني (الجزيرة)

عملية كهانا
ففي عام 2001 كان مسلماني قد نفّذ ورفاق له عملية قتل الحاخام مائير كهانا وزوجته بين مدينتي رام الله ونابلس شمال الضفة الغربية بإطلاق النار عليهما مباشرة، والتي عرفت بعملية كهانا، فاعتقل بعد مطاردة استمرت شهورا عدة، ثم قضى تحت تحقيق قاس أياما وأسابيع قبل أن تقضي المحكمة بسجنه مدى الحياة، كما تقول زوجته سمر حامد (أم إياد).

وفي عام 2011 أفرج الاحتلال مرغما عن مسلماني ضمن صفقة وفاء الأحرار (شاليط)، وحينها تنفست عائلته الصعداء وظنت لوهلة أنها ستجتمع به مجددا بعد نحو عشرين عاما من الاعتقالات المتفرقة في سجون الاحتلال، حالت كلها دون التجمع مع ذويه ولو مرة واحدة.

وتتابع سمر (52 عاما) أن أمل الإفراج وحلم اللقاء سرعان ما تبددا بعدما كان قرار الاحتلال بالإفراج عن زوجها مشروطا بإبعاده إلى غزة، وتقول "كانت تلك انتكاسة أخرى تضاف إلى معاناتنا مع الاحتلال التي لما تنته".

ومع تحرره وإبعاده لغزة حظي جزء من أبنائه بلقائه هناك، بعد أن كانت زياراتهم له في المعتقل تُواجه بالرفض الأمني المطلق ولو مرة واحدة في أحسن حالاتها كل عام.

صورة الأسير المحرر والمبعد لغزة مصطفى مسلماني وأبنائه المعتقلين (الجزيرة)

ملاحقة الأبناء
ولم يتوقف مسلسل معاناة العائلة مع الاحتلال، فقد دأب الأخير على التنغيص عليها مجددا باعتقال أفرادها من الذكور واحدا تلو الآخر، حتى أن بعضهم اعتقل أكثر من مرة.

وبين يديها تقلب الوالدة المكلومة صور أبنائها الأسرى ووالدهم المبعد، وتقول "لم نعرف الراحة يوما، فلم يكد يمر يوم علينا دون اقتحام للمنزل وتدمير أثاثه ومحتوياته والعبث بها".

أما لحظات اعتقال أبنائها الثلاثة حازم وإياد وجهاد وهم في العشرينيات من العمر واعتقلوا قبل نحو شهر "فلا يمكن نسيانها مطلقا"، كما تقول الأم التي بكت حزنا على فراقهم.

وتضيف "أبنائي الثلاثة الآن يتجرعون الألم في السجون باتهامات لا حصر لها، ونحن نتجرع المأساة ذاتها بغيابهم عنا".

تقاطع وسام مسلماني (ثلاثون عاما) الفتاة الأكبر للأسير مصطفى والدتها قائلة إن "الرعب الحقيقي لا يكمن في الاعتقال والإبعاد فحسب، بل في المطاردة واقتحام المنزل أيضا، فبعض أشقائها طوردوا شهورا عدة، واعتقل على أيدي وحدات خاصة إسرائيلية".

وتضيف للجزيرة نت كان الجنود يُفجرون أبواب المنزل قبل اقتحامه، وكانت ترافقهم كلاب بوليسية مفترسة تهاجم أشقائها وتنهش أجسادهم لحظة اعتقالهم".

والأسوأ من ذلك كما تؤكد وسام أنها وأشقاءها لم يعيشوا سوية ووالدهم لكثرة اعتقالاته التي تجاوزت 13 مرة لنحو عشر سنوات، قبل الاعتقال الأخير الذي يقارب نفس فترة الاعتقال السابقة.

ولبعد المكان بينهم وبين والدها لا تكترث وسام، فهي والعائلة يرون أن الوطن كله واحد وأن السجن لا يغلق أبوابه على أحد، ويأملون قرب لقاء والدها وعودة الفرح مرة ثانية.

المصدر : الجزيرة