يان ياب دي روتر*

قديما، كان البحر الأبيض المتوسط بحرا تلتقي فيه الحضارات، فقد ضمت الحضارة الرومانية الجزء الأكبر منه، ومن بعدها الحضارة الإسلامية، وعلى الأخص الدولة العثمانية. ولكننا، في الوقت الحاضر، نرى هذا البحر ذاته قد أصبح فاصلا بين ثقافتين ودينين.

فعلى ناحية تقع أوروبا، التي كانت المسيحية دينا مميزا لها قبل أن تصبح علمانية الطابع بشكل كبير، وعلى الناحية الأخرى يقع شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث صبغة الدين الإسلامي تلون مجتمعاتهما بالإضافة إلى وجود مسيحي الطابع. فقد أتاح وجود البحر وسط تلك الأمم التي تحيط به فرصة التلاقي والتواصل بين جانبيه، وأحيانا كان هذا التواصل مثمرا مثلما كان من الفينيقيين والفينيسيين، وأحيانا أخرى كان بغرض العدوان والقتل مثلما وقع من الصليبيين الغربيين أو "القراصنة من الجزائر والمغرب".

نمطان من التدفق
لذا، فللبحر المتوسط جانب مشرق وآخر مظلم. واليوم نشهد كارثتين غريبتين تقعان أمام أعيننا: تياران من المهاجرين يتسمان بمعاناة إنسانية غير مروية. أحد هذين التيارين يجلب اللاجئين -لا سيما من إريتريا وسوريا- نحو أوروبا، والتيار الآخر يأخذ الجهاديين الأوروبيين الذين يرغبون في الانضمام لصفوف تنظيم الدولة الإسلامية. فاللاجئون يفرون من الدمار والموت في أوطانهم، بينما يلجأ الجهاديون إلى "الخلافة" بهدف نشر الدمار والموت. وتقف أوروبا عاملا مشتركا بين مجموعتين، إحداهما تريد دخولها، والأخرى تحاول جاهدة الخروج منها.

حالمون بالديمقراطية
ولكن ما الذي يجذب مجموعة تريد الوصول إلى أوروبا في حين يدفع بمجموعة أخرى لترغب عنها؟ إنها ثلاثة أشياء مشتركة بين المجموعتين: الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.. فالمجموعة الأولى تنظر لها نظرة إيجابية بينما تحمل لها الأخرى نظرة سلبية. يظن اللاجئون أن بإمكانهم الحصول على حياة مُنعت عنهم في بلادهم، فأوروبا بلاد العدل! هناك، يمكن أن تمارس دينك وعقيدتك كيفما تشاء! ليس هناك تمييز عنصري! هكذا يظن اللاجئون: أوروبا هي الجنة المبتغاة على الأرض!

نشهد كارثتين غريبتين تقعان أمام أعيننا: تياران من المهاجرين يتسمان بمعاناة إنسانية غير مروية. أحد هذين التيارين يجلب اللاجئين -لا سيما من إريتريا وسوريا- نحو أوروبا، والتيار الآخر يأخذ الجهاديين الأوروبيين الذين يرغبون في الانضمام لصفوف تنظيم الدولة الإسلامية

ساخطون على الديمقراطية
وعلى النقيض بالنسبة للجهاديين، فهم يرون أن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، جميعها من صنع الإنسان، لذا فهي لا تتماشى مع مبادئ الشريعة السماوية. فإن كانت الديمقراطية التي تعني تطبيق القوانين التي وضعها الإنسان، وحقوق الإنسان التي يكفي اسمها لنرى مصدرها البشري، كلتاهما من صناعة وبدَع البشر، فهما تتعارضان مع الشريعة السماوية الإلهية. "ونحن لا نحتاج حرية التعبير، فكلمات الله تكفي وتسع كل البشر". فبالنسبة للجهاديين، أوروبا هي الجحيم، والخلافة هي الجنة المبتغاة.

التعامل مع اللاجئين؟
ولكن ماذا فعلت أوروبا لتواجه كل هذا؟ أوروبا تُجري مباحثات، أوروبا تبحث القضايا، أوروبا تعين مفوضيات، أوروبا تعرب عن تضامنها أكثر يوما بعد يوم. ولكن، في الوقت نفسه، وردت الأنباء في الأسابيع الأخيرة عن طرق الهرب التي يتبعها اللاجئون عبر أوروبا، فمعظمهم يصل إلى إيطاليا واليونان، ولكن كلا الدولتين لم تتكلفا عناء حتى تسجيل اللاجئين، بل فتحتا لهم الطريق. وها هم -إما بالقطار، أو بالحافلة، أو حتى سيرا على الأقدام- متجهون شمالا نحو ألمانيا وإنجلترا، الدولتان المفضلتان لهم. بل جاءت الأخبار تتحدث عن جماعات كاملة من الإريتريين والسوريين يعبرون جبال الألب، من إيطاليا إلى النمسا، بأطفالهم وشيوخهم. وما زال أعضاء الاتحاد الأوروبي يتشاجرون من يجب أن يستضيف اللاجئين.

ومع الجهاديين؟
وماذا تفعل أوروبا لتمنع الجهاديين من السفر بغية نشر الموت والدمار في سوريا والعراق؟ في هذا الشأن، أوروبا تتباحث وتتناقش أيضا، كثيرا! تظن بعض الدول مثل بلجيكا أن القمع وسيلة جيدة لمنع الجهاديين وغيرهم، وتظن بعض الدول الأخرى، مثل الدانمارك، أن الحل يمكن أن يأتي بالحوار مع الجهاديين الذين يريدون الانضمام إلى الخلافة. ولكن حدود أوروبا مفتوحة، وإن كان من السهل على مئات الآلاف من المهاجرين الدخول إلى أوروبا، فمن السهل أيضا على الآلاف من الجهاديين عبور الحدود نحو "الخلافة".

ماذا يمكن أن يفعل العرب؟
ولكن ماذا عن العالم العربي؟ إن العالم العربي يفعل الكثير بالفعل. إذ تستضيف كل من الأردن ولبنان -وكذلك أيضا تركيا- الملايين من اللاجئين السوريين. ولكن، ما زال هناك المزيد مما يمكن القيام به. يمكن لمصر أن تبذل جهدا للقبض على تجار البشر والعاملين في الهجرة غير النظامية. كما يمكن لتركيا جارة العرب أن تشدد الرقابة على الحدود وأن تضع سياسة تحقيق نشطة للبحث عن الجهاديين المحتملين.

لا حل سوى التعاون
ليس أمام أوروبا والعالم العربي سوى حل واحد، أن يعملا معا لوقف تدفقات الهجرة المأساوية عبر البحر المتوسط، وذلك حتى يصبح البحر المتوسط مرة أخرى كما كان وكما ينبغي له أن يكون، بحرا تتلاقي فيه أمواج التواصل المثمر بين الشعوب، حتى يعم الرخاء والسلام في الدول المحيطة به.

----------------

* مستشرق هولندي

المصدر : الجزيرة