ميرفت صادق-رام الله

في يوم الجمعة الأخير، اضطرت ناريمان التميمي للخروج من إقامتها الجبرية المفروضة عليها في منزلها بقرية النبي صالح غرب رام الله بالضفة الغربية منذ ستة شهور. ركضت لأكثر من خمسين مترا بقدمها المصابة بعيار ناري لتخلص طفلها محمد من جندي إسرائيلي حاول اعتقاله.

لم تفكر الأم -التي انضمت إليها طفلتها عهد ( 14 عاما) ونساء أخريات من القرية- أن مشهدهن هذا سيحدث ضجة عالمية تزعج إسرائيل لدرجة نشر تهديدات باعتقالهن بدعوى "الاعتداء على جندي".

تقول ناريمان (39 عاما) إنها كانت بجوار منزلها تقوم بمهمة تصوير للمواجهة بحكم عملها حقوقية متطوعة. وبشكل مفاجئ لاحظ الأهالي كمينا نصبه جنود الاحتلال للمتظاهرين، ولكن أحدهم هاجم طفلها محمد (12 عاما) أثناء محاولة هربه.

قالت "كل ما فكرت فيه هو تخليص ابني من اعتقاله خاصة أنه يعاني من كسر في يده وقد تعرض للضرب عليها أيضا".

تعرضت ناريمان وابنة عمها نوال للضرب أيضا بعد تخليص محمد، وأصيب طفلها الأصغر سلام (9 سنوات) برصاصة معدنية في قدمه، بينما أصيبت عهد برضوض نتيجة ضربها من الجندي الذي حاولت تحرير شقيقها منه.

وتعتقد نساء عائلة التميمي أن أمر اعتقالهن قد يكون مسألة وقت فعلاً، مع تخوف من أن يطال الاعتقال الطفلة عهد. وعهد حصلت قبل عامين على وسام الشجاعة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنضالها ضد الاستيطان على أرض قريتها.

الطفل محمد التميمي أثناء محاولة اعتقاله  بينما يعاني كسرا بيده (الجزيرة)

في مواجهة التهجير
وبدأت عائلة ناريمان التميمي المشاركة في المظاهرة السلمية ضد الاستيطان على أراضي قريتهم منذ ديسمبر 2009. وشاركت ناريمان في مسيرة نسوية إلى مستوطنة "حلميش" لإعادة خط المياه إلى قريتها بعد أن منعت عنهم لأيام طويلة عام 2002 خلال انتفاضة الأقصى.

وتذكر أن "حلميش" أقيمت عام ولادتها 1976، وفقدت عائلة زوجها فقط أكثر من خمسين دونما لإقامة هذه المستوطنة، كما فقدت ناريمان شقيقها "رشدي" شهيدا في مسيرة سلمية ضدها قبل ثلاثة أعوام.

وتواجه ناريمان وعائلتها "سياسة تهجير قسري صامت" كما أسمتها، بعد التهديد الإسرائيلي بهدم منزلها بدعوى البناء في منطقة مصنفة "ج" أي خاضعة لسيطرة الاحتلال حسب اتفاق أوسلو، وهي ممنوعة من زراعة شجرة واحدة في الجوار من أجل الضغط لرحيلهم.

وتقول التميمي "الكثير يسألوننا: لماذا يشارك أطفالكم بمسيرات يقمعها الجيش الإسرائيلي بعنف؟ لكن ما لا يعرفه الناس أن أطفال النبي صالح يصابون داخل بيوتهم بسبب الرصاص والشظايا والغاز الذي يلقى عليهم"، كما حدث مع طفلتها عهد عام 2012.

وقالت إن تسعة بيوت في القرية تعرضت للحرق بسبب اعتداءات الاحتلال، وإن الكثير من الآباء والأمهات اضطروا لإلقاء أطفالهم من النوافذ لإنقاذ حياتهم.

مزيد من الضغط
وفي أجواء التهديد باعتقال ناريمان وقريباتها، يعتقد زوجها باسم التميمي أن ذلك يأتي لمزيد من الضغوط المستمرة على عائلته. وقال إن العقلية التي أنتجت المستوطنين الذين أحرقوا عائلة دوابشة قبل أسابيع جنوب نابلس هي ذاتها التي أنتجت الجندي الذي هاجم طفله المصاب الجمعة وهي التي قد تقرر اعتقال نساء العائلة في أية لحظة.

وباسم التميمي (48 عاما) والمعروف بـ"أبو وعد" ويحمل الماجستير في القانون، اعتقل تسع مرات منذ عام 1988 غالبيتها بتهمة تنظيم المظاهرات في قريته.

وبدأت المظاهرة الأسبوعية بشكل منظم هنا منذ عام 2009 بعد مصادرة "عين قوس" التي تغذي القرية وتعتبر متنفسا لها لصالح المستوطنة التي لا تبعد عن بيوت الأهالي سوى مئات الأمتار.

ويشغل أهالي القرية أقل من 40% من أراضيهم الممتدة على خمسة آلاف و650 دونما، بينما تحتل حلميش ومستوطنوها ما تبقى من الحقول الزراعية.
 
ولا يزيد عدد سكان النبي صالح عن خمسمئة نسمة وجميعهم من عائلة التميمي، لكن القرية فقدت 22 شهيدا منذ احتلالها عام 1967، اثنان منهم قتلا في مسيراتها السلمية قبل ثلاثة أعوام.
 
وباسم التميمي ذاته تعرض للإصابة بالشلل ودخل في غيبوبة بسبب تعذيبه بعد اعتقاله عام 1993 حتى أفرج عنه في اليوم الذي قتلت فيه شقيقته باسمة لدى اعتداء الاحتلال عليها أثناء محاكمة ابنها.
 
وتعرض أبناؤه الأربعة للإصابة بالرصاص الإسرائيلي، واعتقل أكبرهم وعد (20 عاما) بعد ضربه من جنود الاحتلال.

المصدر : الجزيرة