واقع مؤلم يعيشه ذوو عشرات الآلاف ممن أخفوا قسريا، وبعضهم نساء يخشى أهلهن أن يكنّ حبلن من سجّانيهم في مصائب أهون منها الموت، وهي جرائم تذكر بها الأمم المتحدة سنويا في الثلاثين من أغسطس/آب، اليوم العالمي لضحايا الإخفاء القسري.

محمد غلام-الجزيرة نت

أسئلة معلقة، عائلات تبحث، وغموض يكتنف مصير عشرات آلاف الأنفس البشرية، لا هي في عداد الموتى فيُدعى لها بالرحمة وتستقر النفوس، ولا هي ضمن الأحياء.

بكيت على زيد فلم أدر ما فعل .. أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإني لسـائل ..  أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل؟!

على أن حالتنا هنا لا تتعلق بمصير ابن ضل طريقه في فلاة ولو وجد من الخير بعد ذلك ما وجد كصاحبنا زيد بن حارثة، وإنما ضلال آخر في صحراء المُثل وانعدام الأخلاق السياسية والاستهتار بالقيم الإنسانية والمواثيق والعهود الدولية.

إنها حالة الإخفاء القسرية الآخذة في التفاقم يوما بعد يوم خاصة في عالمنا العربي، وفي ظل إفرازات الربيع العربي المتعثر، وما قبله.

قالتها يوما للجزيرة نت اليمنية سلوى، وهي بنت علي قناف زهرة المختفي منذ 36 عاما "تمنيت لو أنه توفي لشيئين: لأضمن أنه ليس في زنزانة تحت الأرض أو يعذب، وليكون له قبر أتلمسه وأبثه شجوني وشؤوني".

لا تختلف تلك الحالة عن واقع عشرات آلاف السوريين والمصريين وغيرهم من دول العالم ممن أخفوا قسريا، وبعضهم نساء يخشى ذووهم أن يكنّ حبلن من سجانيهم في مصائب أهون منها الموت، وهي جرائم تذكر بها الأمم المتحدة سنويا في الثلاثين من أغسطس/آب، اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري.

سلوى قناف تتلمس صورة والدها على أحد الجدران بصنعاء (الجزيرة)

تعريف
وتعرف الفقرة "ط مكررة" من المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري بأنه "إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل، أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم، أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة". وتقول إنه جريمة ضد الإنسانية، ولذلك يعتبر ضمن الولاية القانونية لها.

وتفيد منظمة العفو الدولية بأن نحو 85 ألفا تعرضوا للإخفاء قسرا في سوريا على مدى الأعوام الأربعة الماضية.

وتقول في رسالة وجهتها للرئيس السوري بشار الأسد إن "الآلاف لقوا حتفهم في السجون في شتى أنحاء البلاد جراء التعذيب والأوضاع المزرية. وتتكدس أعداد أخرى لا تحصى في الزنازين، وليس لدى عائلاتهم أدنى فكرة عن مكان وجودهم".

وتتابع "تبحث العائلات في محاولات يائسة عن أي معلومات بشأن ذويهم. فهم يريدون أن يعرفوا لماذا أُخذ ابنهم، وأين تحتجز ابنتهم، وما إذا كان أخوهم يتعرض للتعذيب، وما إذا كان أبوهم على قيد الحياة".

وذكر تقرير مشترك لهيئتين حقوقيتين أن حالات الإخفاء القسري في سوريا بلغت على مدى السنوات الأربع الماضية أكثر من 67 ألفا، 96% منها على يد النظام السوري.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في تقريرهما أمس "لا أثر: ضحايا الاختفاء القسري في سوريا"، إن النظام السوري يتحمل المسؤولية عن قرابة 65 ألف حالة إخفاء قسري من مجموع 67 ألفا و561، في حين تتحمل الأطراف الأخرى -وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية وقوات "الإدارة الذاتية" الكردية- مسؤولية اختفاء نحو 2400 شخص.

وقد بلغت حالات الإخفاء القسري على يد فصائل المعارضة المسلحة 211 حالة، بينهم 22 طفلا و11 سيدة.

منظمات حقوقية رصدت نحو ثمانين ألف حالة إخفاء قسري بسوريا في أربع سنوات (الفرنسية)

كلفة منخفضة
وتقول هيومن رايتس ووتش إنها رصدت نمطا واضحا لإخفاق السلطات المصرية في إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في حالات الإخفاء القسري التي تم توثيقها في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013.

ويرى فادي قاضي الخبير الحقوقي الدولي والمتحدث السابق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش أن هناك مسألتين تشجعان السلطات عموما على ممارسة الإخفاء القسري لكونه أقل كلفة قانونيا، لأنه لا يستتبع بإجراءات قانونية وقضائية كما أنه قليل الكلفة سياسيا بسبب غياب المحاكمات.

وأشار إلى أن حالات الإخفاء القسري تنامت بشكل لافت في مصر بسبب البطش السياسي ومحاولة النظام لجم الحراك السياسي.

وقال إنه تم توثيق اختفاء 1250 شخصا في محافظات البحيرة والغربية والقاهرة.

ولا تزال عائلات مفقودي الجزائر تعيش معاناة نفسية مستمرة لعدم معرفة مصير أبنائها المختفين قسريا أيام العشرية الحمراء التي عرفتها الجزائر. وفي ليبيا والمغرب وغيرهما من دول العالم العربي الكثير من الحالات المشابهة.

المصدر : الجزيرة