تعيش عائلات مفقودي الجزائر معاناة نفسية مستمرة لعدم معرفة مصير ذويها، لكنها تصر على "النضال" لمعرفة مصيرهم. وفي الأثناء نظمت تنسيقية هؤلاء ندوة بمناسبة اليوم العالمي للاختفاء القسري، الذي يصادف اليوم.

هشام موفق-الجزائر

تغالب فريدة وغليسي دمعها وهي تستذكر آخر ما قام به زوجها قبل أن تعتقله قوات من الشرطة القضائية من مقر عمله بشركة السكك الحديدية بولاية قسنطينة شرق البلاد عام 1994.

فقد كان زوجها معمّر إطارا في الشركة ورئيس نقابة تابعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بانتخابات 1992، قبل أن يوقف المسار الانتخابي وتلجأ السلطات إلى حلها.

"أوصل ابنتنا مريم ذات الست سنوات حينها للمدرسة في أول يوم مع انطلاق الموسم الدراسي يوم 27 سبتمبر (أيلول) من تلك السنة"، تقول فريدة للجزيرة نت.

وتضيف "أخذني بعدها للطبيبة وقصد عمله، ولم أكن أدري أن توديعه لي بالعيادة سيكون آخر كلماته لي".

معمّر هو واحد من آلاف الجزائريين الذين لم يُعرف مصيرهم إلى اليوم منذ العشرية الحمراء التي عرفتها الجزائر.

تؤكد فريدة أن عناصر من الشرطة القضائية توجهوا إلى الشركة بقسنطينة، واقتادوا زوجها بسيارته الشخصية إلى مخفر للشرطة، وتركوا مركبتهم الرباعية الدفع الرسمية أمام مقرها.

وتوضح أنها بقيت تتابع أخبار زوجها من جارة لها، زوجُها ضابط في الأمن، إلى غاية 1996، السنة التي انقطعت عنها أخباره.

معاناة
وتتهم تنسيقية عائلات المفقودين ضباطا في الشرطة والأمن بالتسبب في اختفاء ذويهم قسريا عقوبةً لهم على مساندتهم جبهة الإنقاذ.

ويشدد أعضاء التنسيقية على أنهم "يعيشون معاناة نفسية يومية بسبب عدم معرفة مصير ذويهم"، لكنهم يصرون على "النضال من أجل الحقيقة والعدالة لقضيتهم".

ونظمت التنسيقية ندوة بمناسبة اليوم العالمي للاختفاء القسري، الذي يصادف اليوم، بالتنسيق مع الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وتطرقت الدكتور وسيلة بن لطرش في الندوة إلى الآثار النفسية لمشهد اختطاف الأب لدى الأبناء بعد عقدين من الزمن.

وعرضت نتائج دراسة، هي الأولى من نوعها، تخص "اضطراب إجهاد ما بعد الضرر النفسي لدى أبناء المختطفين قسرا"، وخلصت إلى أن هذه الشريحة تعاني من اضطرابات اكتئابية ومن سلوكيات عدوانية.

وسيلة بن لطرش عابت على السلطة تركيزها على التعويض المادي دون النفسي (الجزيرة)

مشكلات نفسية
وعابت المتحدثة على السلطة تركيزها على التعويض المادي لهذه الفئة، دون مراعاة الجانب النفسي، وأكدت أنه "لا وجود لأي خلية نفسية تعنى بمشكلات هؤلاء".

وسلط المحامي والمناضل الحقوقي مصطفى بوشاشي الضوء على الجانب القانوني للقضية، وحوّل محاضرته إلى درس في شرح اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاختفاء القسري.

وبجرأة كبيرة، يتهم بوشاشي النظام بأنه كان يمارس الإخفاء القسري في ظل "سياسة ممنهجة وعامة" و"لم يكن فعلا معزولا".

ويقول إن دليله يكمن في وجود حالات الإخفاء القسري في كل بلدية من بلديات الجمهورية الجزائرية.

ودعا بوشاشي إلى تنوير الرأي العام الوطني بقضية عائلات المختطفين التي لم تعرف لها الجزائر مثيلا في كل تاريخها، وفق تعبيره.

وأضاف "لا بد أن تصبح القضية مسألة وطنية، ليس فقط من أجل جبر الضرر، وإنما لكي لا تتكرر هذه المأساة، ولكي يخجل السياسيون ورجال الشرطة وضباط العسكر المتورطون من أنفسهم ومن المجتمع".

لكن هذا الكلام، لا يتفق معه مسؤول خلية متابعة وتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية المحامي مروان عزي إطلاقا، ويعتبره "مجرد مساومات لمنظمات تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان".

وقال للجزيرة نت "ما تدعي هذه الأطراف عن مسؤولية رجال الأمن من شرطة وعسكر عار عن الصحة وكلام لا يستند إلى أي دليل مادي، ولم يكن قط قرارا رسميا من الدولة".

وتقول التنسيقية إن عدد المختطفين يصل حوالي 20 ألفا، لكن عزي ينفي هذا الرقم. وتابع "هذه التنسيقية دائما ما تضخم العدد، إذ الرقم الحقيقي نهاية 2014 هو 7144 مفقودا".

وأكد المتحدث أن 24 عائلة فقط رفضت التعويض الذي أقرته الدولة، والباقي كلهم قبلوا بحكم أن قانون المصالحة يدرجهم ضمن خانة "ضحايا المأساة الوطنية".

ودعا عزي جميع الأطراف إلى "الابتعاد عن المزايدات، لأننا كنا في حرب أهلية غير معلنة، وهذا الملف نتيجة منطقية للمأساة الوطنية، مع وجوب مشاطرة هذه العائلات أحزانها وحقها في معرفة مصير ذويها".

المصدر : الجزيرة