فضل عبد الغني*

تتجدد اليوم الذكرى السنوية لثاني أكبر هجوم بالأسلحة الكيميائية في العصر الحديث، حيث ثبت لدينا ولدى منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش، أن النظام السوري هو الذي شن الهجوم على غوطتي دمشق قبل سنتين، والذي أسفر -بحسب وثائق الشبكة السورية لحقوق الإنسان- عن مقتل 1127 شخصا، بينهم 201 سيدة و107 أطفال، مما يجعلها أكبر مجزرة في سوريا من ناحية عدد الضحايا.

وفي ظل هذه المجزرة تحديدا يتكرر السؤال: لماذا لم تتم حتى الآن محاسبة المجرمين في سوريا؟ ويجدر بنا القول من الناحية القانونية إن هذه المجزرة تحمل جريمتين: الأولى هي أنها ترقى لجريمة ضد الإنسانية، لأن القتل يمارسه النظام منذ عام 2011 بشكل منهجي وواسع النطاق، وذلك بحسب المادة السابعة من قانون روما الأساسي.

والجريمة الثانية هي أنها ترقى لجريمة حرب، لكون السلاح المستخدم محرما دوليا حتى ضمن الحروب، وذلك بحسب المادة الثامنة من قانون روما الأساسي.

النظام السوري غير مصادق على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي فلا تعد مخولة لإصدار أي حكم قضائي بحقه، إلا إذا طلب مجلس الأمن ذلك

مسار الجنائية الدولية
ومن غير المعقول في ظل النظام السوري أن تتم محاكمة المجرمين في القضاء المحلي غير المستقل، والذي يتبع فعليا سلطة أجهزة الأمن، فلا يوجد حاليا سوى خيار المحكمة الجنائية الدولية.

وهنا تبرز العقبة الأساسية، كون النظام السوري غير مصادق على ميثاق هذه المحكمة، وبالتالي فلا تعد مخولة لإصدار أي حكم قضائي بحقه، إلا إذا طلب مجلس الأمن ذلك من المحكمة، هنا تصبح المحكمة الجنائية الدولية مختصة.

لكن مجلس الأمن منذ مارس/آذار 2011 وحتى الآن، وبسبب استخدام حق النقض (فيتو) من جانب روسيا والصين أربع مرات، يمنع بشكل صارخ إحقاق العدالة، على الرغم من أن مشاريع القرارات التي قدمت نصت على محاسبة جميع الأطراف المتورطة وليس فقط النظام السوري، لكن روسيا والصين رفضتا ذلك بشكل قطعي.

وهذا يرسل رسالة للنظام السوري، أولا أن يبقى مرتاحا عندما تقلق الأمم المتحدة، وأن يضحك من الخطوط الحمراء، بل أن يهين ويسخر من قرارات مجلس الأمن نفسه.

مسؤولية مجلس الأمن
بكل تأكيد هناك خيارات أخرى غير المحكمة الجنائية الدولية، لكنها تعود بنا مجددا إلى مجلس الأمن الذي يتحكم في مصير شعوب وبلدان العالم بشكل غير عادل وغير مسؤول.

على سبيل المثال، بإمكان مجلس الأمن إصدار قرار تشكيل محكمة خاصة على غرار محكمتي يوغسلافيا عام 1993، ورواندا عام 1994، لأن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب من شأنها تهديد السلم والأمن الدوليين، وهو ما يُمارس يوميا بحق الشعب السوري.

بإمكان مجلس الأمن إصدار قرار تشكيل محكمة خاصة على غرار محكمتي يوغسلافيا عام 1993 ورواندا عام 1994

وهذه المحاكم الدولية الخاصة يكون كل قضاتها من دول غير الدولة التي ارتكبت فيها الجرائم الدولية، وتكون مرجعيتها القانون الإنساني الدولي.

هناك خيارات خارج مجلس الأمن مثل اللجوء إلى "الاتحاد من أجل السلم"، وذلك وفقاً للقرار المؤرخ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1950 بشأن الاتحاد من أجل السلم، ويمكن للجمعية العامة أن تنظر في الأمر بهدف رفع توصيات إلى الأعضاء لاتخاذ تدابير جماعية لصون السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما، لكنه لم يطبق فعليا إلا ثلاث مرات، وهو بحاجة إلى جدية عدد كبير من الدول وتشكيل تحالف من أجل إنجاح ذلك.

أخيرا هناك الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية، حيث يوجد عدد من السوريين يحملون جنسيات متعددة، من الممكن اللجوء لمحاكم بعض الدول التي تأخذ بالولاية العالمية لقضائها مثل سويسرا وإسبانيا وغيرهما، ولكن معظم هذه الدول أصبحت قوانينها تشترط وجود المتهمين في أراضيها لإمكانية رفع الدعوى.

الفصل السابع
يبقى في هذا المجال الإشارة إلى أن هناك ثلاثة قرارات صدرت في استخدام النظام السوري الغازات السامة، اثنان منها يهددان باستخدام الفصل السابع في حال حصول أي انتهاك، الأول قرار مجلس الأمن رقم 2118 الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 2013، في الفقرة 21 منه ينص بشكل واضح على أنه:

"في حالة عدم الامتثال لهذا القرار، بما يشمل نقل الأسلحة الكيميائية دون إذن، أو استخدام أي أحد الأسلحة الكيميائية في الجمهورية العربية السورية، أن تفرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة". كما قرر أن "استخدام الأسلحة الكيميائية أينما كان يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين".

والثاني هو القرار 2209 الصادر في السادس من مارس/آذار 2015. ونحن نؤكد أن النظام السوري قام بخرق القرارين، فقد سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 125 خرقا للقرار 2118، من بينها 56 خرقا للقرار 2209، دون أي إدانة جدية على الأقل، نحن لم نصل بعد إلى مستوى محاسبة المجرمين.

أما القرار الأخير 2235 فقد طلب من لجنة نزع الأسلحة الكيميائية تحديد المجرمين، وكأن مجلس الأمن لا يعلم من هم!

---------------------

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة