علي بدوان*

ثلاثة مؤشرات خطيرة بدأت تطفو على السطح بالنسبة لقضية اللاجئين الفلسطينيين عامة الذين يشكلون نحو 65% من التعداد العام للشعب الفلسطيني بين الداخل والشتات، وفلسطينيي سوريا خاصة الذين يشكلون نحو 13.5% من التعداد العام للشعب العربي الفلسطيني.

شطب القيود وإنهاء صفة اللاجئ
يتجلى المؤشر الأول من خلال الخطوات الملموسة والمحسوسة التي بدأت تتضح معالمها على الأرض عبر المساعي الخفية التي تقوم بها أطراف دولية نافذه للتخلص من الشاهد الأساسي الأول على قضية حق العودة واللاجئين الفلسطينيين، وهي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وذلك عبر تخفيض خدماتها وتجفيف مصادرها المالية، والسعي لشطب قيود من هاجر من فلسطينيي سوريا إلى بلدان الهجرة القسرية من سجلاتها الرسمية.

وقد وصلت أعداد هؤلاء نحو مئة ألف من مختلف الفئات العمرية مع طغيان جيل الشباب، دفعتهم الأزمة العامة في سوريا للخروج من البلاد تحت وطأة جسامة الأحداث وفقدان السكن والمورد الاقتصادي.

الإجراء المشار اليه أعلاه يأتي في سياق قرار الدول المانحة لوكالة أونروا التي باتت تتحفظ الآن على تقديم وتسليم المساعدات المالية والعينية للاجئين الفلسطينيين في سوريا إلا بوجود كامل أفراد العائلة مع البطاقات الشخصية وبطاقة أونروا، وبالاسم وبالتدقيق فردا فردا، تمهيدا لشطب أسماء الغائبين منهم من قيودها وحرمانهم من المساعدة المالية والعينية، وهو تحول خطير للغاية بدأت مفاعيله تطبق على أرض الواقع، ليعكس في حقيقته الهدف الرئيسي منه وهو شطب صفة اللاجئ عن الفلسطينيين الذين غادروا سوريا إلى بلاد العالم نتيجة الأزمة الداخلية، وقد أبلغ المدير العام الإقليمي لوكالة في سوريا مايكل كينزلي لقاء فلسطينيا رسميا وشعبيا عقد لمناقشة هذا الأمر بدمشق مؤخرا فحوى هذا الإجراء الذي طالبت بتنفيذه الدول المانحة ورئاسة وكالة أونروا.

إن الإجراء الذي بدأت به الوكالة بشأن تسليم المساعدات المالية والعينية للاجئين الفلسطينيين في سوريا ترافق مع تصريحات المفوض العام للأونروا ببير كريهنبول المعروف بتعاطفه مع القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين الفلسطينيين، وذلك خلال اجتماع في الخامس من يونيو/حزيران الماضي للجنة الاستشارية لوكالة الأونروا التي تضم كبار الجهات المانحة والحكومات المضيفة والذي عقد في العاصمة الأردنية عمان حين قال "إن أكثر من خمسة ملايين لاجئ من فلسطين يواجهون اليوم أزمة وجودية على صعيد العديد من الجبهات تتمثل في الحرمان من الكرامة والحقوق". 

وأضاف كريهنبول أن "الأزمة المالية التي تواجهها وكالة الأونروا في ميزانيتها حاليا ستكون بمثابة كارثة حقيقية تحل على اللاجئين الفلسطينيين، خاصة القاطنين في قطاع غزة وسوريا، فمعدل الاستجابة لمناشدة أونروا الطارئة من أجل فلسطينيي سوريا لعام 2015 لم يتجاوز 27% فقط، ونتيجة لذلك فقد توجب علينا أن نقلص من وتيرة ومبلغ المعونة النقدية التي يتم توزيعها على اللاجئين في سوريا".

تفكيك المخيمات وتمزيق النسيج الاجتماعي
وتجلى المؤشر الثاني باستمرار ضرب وتفكيك وإنهاء الشاهد الأساسي الثاني على القضية الفلسطينية وحق العودة وهو المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية واللبنانية بشكل خاص، وقد بدأ المسلسل بمخيم اليرموك الواقع جنوب دمشق، وهو أكبر تجمع فلسطيني في الشتات، ومن قبله مخيم درعا، ومخيم حندرات (عين التل) قرب مدينة حلب، ومخيما السبينة والحسينية بريف دمشق الجنوبي، وأجزاء من مخيم خان الشيح في ريف دمشق الغربي، وما يجري من تحضيرات معادية تتسرب يوميا المزيد من المعلومات بشأنها بحق مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا اللبنانية عبر تفجيره من داخله وتشريد أهله وعموم سكانه من لاجئي فلسطين فوق الأرض اللبنانية وإلى خارج لبنان.

إن تفكيك التجمعات والمخيمات الفلسطينية في الشتات -وفي سوريا ولبنان على وجه التحديد- يعني في جملة ما يعنيه تمزيق النسيج الاجتماعي والوطني للاجئي فلسطين في سوريا ولبنان، وتمزيق وحدة فلسطينيي الشتات وتذويب هويتهم الوطنية عبر دفعهم للخروج والبحث عن الملاذات الآمنة في بلاد الله الواسعة، في رحيل إرادي إلى المجهول، وشطب حياة أبناء اليرموك وغيره من المخيمات والتجمعات الفلسطينية من أجل ميلاد معتوه في بلاد لا يحسن الواحد فيها من أبناء فلسطين سوى العيش أكلا وشربا وهواء، من أجل يموت الحلم بوطن اسمه فلسطين، وإحلال ثقافة جديدة في نفوس الأجيال الصاعدة من لاجئي فلسطين تتمثل بالبحث عن الخلاصات الفردية كبديل عن التمسك بمواقف الإجماع الوطني التي تقول بحق العودة إلى فلسطين طال الزمن أم قصر.

تركت منظمة التحرير الفلسطينية وأغلبية القوى والقيادات الفلسطينية الناس في مهب الريح، وهو ما دفعهم وشجعهم على المغامرة والركوب على ظهر قوارب الموت والهجرة إلى بلاد الاغتراب البعيدة بحثا عن الخلاص

الممثل الشرعي والفصائل.. الغائب الأكبر
وتجلى المؤشر الثالث بغياب الإطار التمثيلي الشرعي الفلسطيني الرسمي ونقصد به منظمة التحرير الفلسطينية، وعجزها عن القيام بدورها المطلوب والمنشود تجاه مأساة فلسطينيي سوريا، الموقف الذي يتجاوز البكاء والنحيب حتى الآن، وهو الدور المفترض في المساعدة المباشرة لإنقاذ فلسطينيي سوريا من محنتهم بشكل فعال عبر الدور السياسي وقنوات الاتصال مع الأطراف الفاعلة المختلفة، إضافة إلى تقديم الدعم المادي المباشر لعموم فلسطينيي سوريا الذين يكابدون أوجاع الحياة اليومية وانعكاسات الأزمة السورية على حياتهم في جانبيها المعيشي والصحي، خصوصا في ظل التهجير شبه الشامل وفقدان المساكن وتراجع مداخيلهم.

لقد تركت منظمة التحرير الفلسطينية وأغلبية القوى والقيادات الفلسطينية الناس في مهب الريح، وهو ما دفعهم وشجعهم على المغامرة والركوب على ظهر قوارب الموت والهجرة إلى بلاد الاغتراب البعيدة بحثا عن الخلاص في دولة "السويد الشقيقة" أو أي من بلدان العالم.

وفي زمن التغريبات المتكررة وضع فلسطينيو سوريا في مواجهة مصيرهم الذي يلاحق أطفالهم وشبابهم ونساءهم وشيوخهم في عرض البحر وداخل مخيم اليرموك الذي بنوه بعلمهم وجهدهم وكدهم ودموعهم.

ورب قائل يقول إن الأزمة أكبر من المنظمة والفصائل، وإن دور الفصائل لا يمكن أن يكون مؤثرا في ظل أزمة باتت تحكمها معادلات إقليمية ودولية معقدة، وهو تبرير قد يحمل في طياته شيئا من المنطق، لكن من غير المعقول القبول بمنطق الركون لتبرير حالة التقاعس التي تعيشها الفصائل الفلسطينية في سوريا أمام الأزمة الطاحنة التي يتعرض لها لاجئو فلسطين في سوريا.

إن السؤال المطروح أمام المخاطر المشار إليها يتمحور في الإشارة للدور المطلوب من الحالة الرسمية العربية ومن السلطة الوطنية الفلسطينية من أجل الدفاع عن استمرار عمل وكالة أونروا وتحفيز الدعم المالي الدولي لها من الدول المانحة، وتفويت لعبة إنهاء صفة اللاجئ وشطب قيود اللاجئين الفلسطينيين من سجلات الوكالة ممن دفعتهم الأقدار للهجرة إلى البلاد البعيدة، إضافة إلى الدور المفترض لعموم القوى والفصائل، من فصائل المنظمة إلى فصائل المعارضة الفلسطينية، وهو الدور المتواضع أمام جسامة الأحداث المتلاحقة.. فهل ستكتفي القوى والفصائل بالضجيج والصخب الإعلامي فقط؟

ـــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك

المصدر : الجزيرة